د. عمرو حسن يكتب | انخفاض الإنجاب ليس نهاية القصة
عندما يضغط سائق قطار سريع على المكابح، لا يتوقف القطار في اللحظة نفسها. تنخفض سرعته تدريجيًا، لكنه يظل يتحرك لمسافة بفعل قوة اكتسبها خلال الرحلة. وفي علم السكان يحدث شيء قريب من ذلك؛ فقد تنخفض معدلات الإنجاب، وتتراجع أعداد المواليد، وتتحسن معدلات الزيادة الطبيعية، ومع ذلك يستمر عدد السكان في الارتفاع لسنوات.
هذا هو، ببساطة، ما نسميه «الزخم السكاني».
ومصر اليوم أمام هذه الحقيقة. فالمؤشرات السكانية تشهد تحسنًا تدريجيًا، لكن انخفاض معدل الإنجاب لا يعني أن عدد السكان سيتوقف عن الزيادة غدًا. فهناك أجيال كبيرة وُلدت بالفعل، وستدخل تباعًا إلى سن الزواج والإنجاب خلال السنوات المقبلة. والفتاة التي وُلدت عام 2014، على سبيل المثال، ستكون في سن الزواج والإنجاب خلال عامي 2035 و2036، ولذلك سيظل أثر التركيبة العمرية الحالية حاضرًا في المشهد السكاني لسنوات حتى مع استمرار تراجع معدلات الإنجاب.
لكن الزخم السكاني، على أهميته، ليس نهاية القصة.
فمصر تحتل المرتبة الأولى عربيًا في عدد السكان، والثالثة إفريقيًا، والمرتبة الثالثة عشرة عالميًا حتى عام 2035، ومن المتوقع أن تصل إلى المرتبة الحادية عشرة عالميًا بحلول عام 2050. ويمكن أن نتوقف طويلًا أمام هذه الأرقام، لكن الرقم وحده لا يخبرنا بما يكفي.
الأرقام تخبرنا كم نحن، لكنها لا تخبرنا دائمًا من نحن، وكيف نعيش، وما الذي نستطيع أن نصبح عليه.
وهنا، في رأيي، يبدأ المعنى الحقيقي للقضية السكانية.
خلال سنوات عملي في ملف السكان وتنمية الأسرة، سواء من خلال المجلس القومي للسكان أو العمل مع وزارة الصحة والسكان، ازداد اقتناعي بأن اختزال القضية السكانية في سؤال «كم عددنا؟» يجعلنا نرى جزءًا من الصورة ونغفل بقية المشهد.
فالقضية السكانية في مصر لها أربعة أبعاد مترابطة: الكم، والكيف، والتكدس، والتباين.
الكم هو عدد السكان ومعدلات الزيادة. والكيف هو الإنسان نفسه: صحته، وتعليمه، ومهاراته، وقدرته على العمل والإنتاج والمنافسة. والتكدس هو تركز أعداد كبيرة من السكان في مساحات محدودة، بينما يعكس التباين الفروق بين المحافظات والمناطق المختلفة في الصحة والتعليم والدخل والفرص والخدمات.
ولهذا قد يتحسن «الكم» بينما يظل «الكيف» تحديًا، وقد تنخفض معدلات الإنجاب بينما تبقى فجوات التنمية بين المناطق قائمة، وقد يزيد الاستثمار بينما يظل التكدس يحرم المواطن من الشعور الكامل بثماره.
القضية السكانية، إذن، ليست مجرد سباق مع عداد السكان.
إنها قضية سكان وتنمية.
وهذا التمييز مهم؛ لأن الاقتصاد جزء أساسي من المعادلة، لكنه ليس المعادلة كلها. فالعلاقة بين السكان والتنمية تمر بالاقتصاد، لكنها تمر أيضًا بالتعليم والصحة والعمل وتمكين المرأة والتنمية المحلية وتوزيع الخدمات والاستثمار في رأس المال البشري.
ومن هنا فإن التوازن المطلوب لا يكون فقط بين معدل النمو السكاني ومعدل النمو الاقتصادي، وإن كان ذلك ضروريًا، بل بين عدد السكان وقدرة المجتمع على منح كل مواطن فرصة حقيقية للنمو والمشاركة والإنتاج.
فالمواطن لا يشعر بتحسن المؤشرات السكانية عندما يقرأ رقمًا أقل في تقرير سنوي، وإنما عندما يجد فصلًا أقل ازدحامًا، وخدمة صحية أفضل، وفرصة عمل أكثر جودة، ودخلًا يسمح بحياة كريمة، ومدينة تستطيع أن تستوعب سكانها.
التنمية في النهاية لا تحدث للأرقام، بل للناس.
وهذه الفكرة تجد سندها أيضًا في الإطار الدستوري المصري؛ إذ نصت المادة 41 من دستور 2014 على التزام الدولة بتنفيذ برنامج سكاني يهدف إلى تحقيق التوازن بين معدلات النمو السكاني والموارد المتاحة، وتعظيم الاستثمار في الطاقة البشرية وتحسين خصائصها، في إطار تحقيق التنمية المستدامة.
ولعل الجزء الثاني من هذه المعادلة لا يقل أهمية عن الأول: تعظيم الاستثمار في الطاقة البشرية وتحسين خصائصها.
وفي سياق مشروع «الجمهورية الجديدة» الذي تتبناه الدولة المصرية، تزداد أهمية هذا المعنى. فبناء الدولة الحديثة لا يقتصر على بناء الطرق والمدن والبنية الأساسية، مهما كانت أهميتها؛ لأن ما يعطي كل ذلك قيمته الحقيقية هو الإنسان الذي سيعيش فيه، ويحافظ عليه، ويطوره ويضيف إليه.
ومن هنا فإن السؤال السكاني لا ينبغي أن يكون فقط: كيف نخفض معدل الإنجاب؟
يجب أن نسأل أيضًا: كيف نحسن جودة التعليم؟ كيف نحمي صحة الأم والطفل؟ كيف نمنح الشباب المهارات التي يحتاجها سوق العمل؟ كيف نزيد مشاركة المرأة الاقتصادية؟ وكيف نغلق الفجوات التنموية بين المحافظات؟
تنظيم الأسرة يظل جزءًا أساسيًا من الإجابة، لكنه ليس الإجابة كلها.
فالأسرة لا تتخذ قرار الإنجاب في فراغ. قراراتها تتأثر بالتعليم والعمل والدخل، وبمكانة المرأة داخل الأسرة، وبجودة الخدمات الصحية، وبمدى الأمان الاقتصادي، وبما يراه الأب والأم من فرص حقيقية أمام أبنائهما.
لذلك فإن السياسة السكانية الناجحة ليست فقط التي تطلب من الناس تغيير سلوكهم، وإنما التي تعمل في الوقت نفسه على تغيير البيئة التي يُتخذ فيها القرار.
فالفتاة التي تستمر في التعليم تختلف الخيارات التي تصبح متاحة أمامها. والمرأة التي تستطيع المشاركة في سوق العمل وفي قرار أسرتها تصبح أكثر قدرة على التخطيط لحياتها. والشاب الذي يجد فرصة للتعلم والعمل والإنتاج يصبح جزءًا من قوة المجتمع لا مجرد رقم إضافي في تعداد سكانه.
وهنا يظهر المعنى الحقيقي لرأس المال البشري.
فالشباب لا يصبحون ثروة لمجرد أن عددهم كبير، وإنما يصبحون ثروة عندما تكون صحتهم أفضل، وتعليمهم أقوى، ومهاراتهم أكثر توافقًا مع المستقبل، وقدرتهم على الإنتاج والابتكار أعلى.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الجمهورية الجديدة: ألا تكتفي بإبطاء معدل الزيادة السكانية، بل أن تنجح في تحويل الكتلة السكانية الكبيرة، وخصوصًا أجيال الشباب، إلى قوة بشرية قادرة على دفع التنمية.
ومن خلال عملي في صحة المرأة، ثم مشاركتي الحالية في المجموعة الاستشارية الفنية لمنظمة الصحة العالمية المعنية بوفيات الأمهات وتقدير أسبابها، أرى هذه القضية أيضًا من زاوية أخرى. فبناء الإنسان يبدأ قبل أن يولد.
صحة المرأة قبل الحمل، وتنظيم الأسرة، والاستعداد للحمل، والرعاية أثناءه، والولادة الآمنة، وصحة الطفل في سنواته الأولى، ليست ملفات منفصلة. إنها حلقات متصلة في قصة إنسان سيكبر يومًا ليصبح طالبًا وعاملًا وأبًا أو أمًا ومواطنًا منتجًا.
وهنا يصبح الاستثمار في صحة المرأة استثمارًا سكانيًا، والاستثمار في الطفل استثمارًا اقتصاديًا، والاستثمار في التعليم سياسة سكانية، وتمكين المرأة جزءًا من التنمية.
لقد بدأت مصر بالفعل في جني ثمار تحسن عدد من المؤشرات السكانية، مع انخفاض معدلات المواليد والزيادة الطبيعية، وهذا تطور مهم. لكن الزخم السكاني يخبرنا أن التحسن يحتاج إلى وقت حتى يظهر أثره الكامل، وأن نجاحنا اليوم لا ينبغي أن يدفعنا إلى الاعتقاد بأن المهمة انتهت.
لقد بدأت الرحلة في الاتجاه الصحيح، لكن الحصاد الكامل لم يأت بعد.
ولذلك لا يكفي أن نسأل في السنوات المقبلة: هل انخفض معدل الإنجاب؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: هل تحسنت صحة المواطن؟ هل انخفض التسرب من التعليم؟ هل ارتفعت مهارات الشباب؟ هل ازدادت مشاركة النساء اقتصاديًا؟ هل تقلصت الفجوات بين المحافظات؟ وهل أصبح الطفل الذي يولد اليوم أمامه احتمال أكبر لحياة أفضل من الطفل الذي وُلد قبله بعشر سنوات؟
الزخم السكاني يعلمنا أن الضغط على المكابح لا يوقف القطار في اللحظة نفسها.
لكن ربما يكون الدرس الأهم أن القضية ليست فقط سرعة القطار.
إنها أيضًا: إلى أين يتجه؟ ومن يجلس بداخله؟ وما الفرص التي تنتظرهم عندما يصلون؟
ولذلك، ربما لا يكون السؤال الأكبر أمام مصر: كم سيكون عدد المصريين في عام 2035 أو 2050؟
بل:
ماذا نريد أن يكون عليه المصري الذي سيعيش في مصر عام 2050؟
فالجمهورية الجديدة لا تُبنى بالأرقام وحدها، ولا تصبح الدول أقوى لمجرد أنها نجحت في عدّ سكانها أو إبطاء نموهم.
الدول تصبح أقوى عندما تنجح في رؤية الإنسان خلف الرقم، ثم تمنحه الصحة والتعليم والمهارة والفرصة التي تجعله قادرًا على بناء مستقبله والمشاركة في بناء مستقبل بلده.
فالزخم السكاني يفسر لماذا يستمر العدد في الزيادة، أما السياسة الرشيدة فهي التي تحدد ما إذا كان هذا العدد سيصبح عبئًا على المستقبل.. أم قوة تصنعه.