محمد وائل امين يكتب | المحليات.. معركة الوعي والتكنولوجيا
حين نتحدث عن “المحليات”، فنحن لا نتحدث عن مكاتب مغلقة أو أوراق رسمية فحسب، بل نتحدث عن رصيف الشارع الذي نسير عليه، وعمود الإنارة أمام بيوتنا، وتراخيص المحلات التي نفتحها، ورغيف الخبز الذي نأكله. المحليات هي “بيت المواطن الكبير”، وإذا صلح هذا البيت، استقامت حياة الناس جميعاً. لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن هذا القطاع ظل لسنوات طويلة يعاني من أمراض مزمنة، على رأسها الروتين القاتل والفساد الذي يتسلل في الخفاء، مما جعل “الحي” أو “المجلس” في نظر الكثيرين مكاناً للهرب لا مكاناً لطلب الخدمة.بداية الحل لا تحتاج إلى معجزات، بل تحتاج إلى ذكاء في الإدارة. أول خطوة هي أن “نرقمن” الخدمات، بمعنى أن يصبح التعامل بين المواطن والكمبيوتر مباشرة. فعندما تطلب ترخيصاً أو تقدم شكوى عبر تطبيق على هاتفك، نكون قد قطعنا الطريق على أي موظف ضعيف نفس قد يحاول استغلال نفوذه أو تعطيل مصلحتك. التكنولوجيا لا تعرف المحسوبية ولا تقبل الرشوة، وهي الضمانة الوحيدة لكي يأخذ كل ذي حق حقه دون عناء.لكن الإصلاح ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل للمواطن دور البطولة في هذه المعركة. الفساد لا ينمو إلا في بيئة يسكنها الصمت؛ فالمواطن الذي يقبل بدفع “إكرامية” لتسهيل إجراء غير قانوني هو في الحقيقة يساهم في هدم مستقبله ومستقبل أولاده. الوعي يبدأ من معرفة أن الخدمة حق لك وليست منة من أحد، وأن الصبر على الإجراءات القانونية أفضل ألف مرة من فتح باب خلفي للفساد يضر المجتمع كله لاحقاً.إن تطوير المحليات يبدأ من تغيير العقلية، سواء عقلية الموظف الذي يجب أن يدرك أنه “خادم للشعب” وليس سيداً عليه، أو عقلية المواطن الذي يجب أن يكون هو الرقيب الأول. نحتاج إلى تشريعات جديدة تضرب بيد من حديد على كل منحرف، وتكافئ الموظف النزيه المجتهد، وفي الوقت نفسه تفتح قنوات تواصل مباشرة وسريعة لسماع صوت الناس وحل مشاكلهم في مهدها قبل أن تتفاقم.ختاماً، معركة إصلاح المحليات هي معركة كرامة وبناء. هي الطريق الذي سيحول قرانا ومدننا إلى أماكن آدمية تليق بنا. وإذا تكاتفت يد الدولة القوية مع وعي المواطن الإيجابي، سنرى قريباً محليات تخدم الناس بابتسامة، وتنجز المعاملات بضغطة زر، في بيئة نظيفة خالية من المحسوبية والفساد