د. مروة إبراهيم تكتب | الريادة وصناعة مستقبل
في مكنون الخالق سرٌّ عظيم اسمه الريادة؛ أن يمنح الإنسان عقلًا لا يكتفي بأن يرى ما حوله، بل يسأل: ماذا لو كان هناك طريق آخر؟ وأن يزرع فيه القدرة على الخلق والإبداع، وجرأة التفكير، وشجاعة المحاولة، وإرادة تحويل المستحيل من كلمة إلى احتمال.
فالريادة في جوهرها ليست مشروعًا تجاريًا فقط، ولا شركة ناشئة تبحث عن تمويل؛ إنها فكرة تولد في عقل، ثم تتحول بإرادة صاحبها إلى أثر يغيّر حياة الآخرين.
والتاريخ لم يتغير لأن الجميع ساروا في الطريق نفسه، وإنما لأن بعض العقول امتلكت شجاعة الخروج من الطريق.
ولعل تجربة ستيف جوبز واحدة من أوضح الأمثلة؛ فالفكرة التي بدأت مع تأسيس Apple عام 1976 لم تكن مجرد صناعة جهاز جديد، بل كانت رؤية لتغيير علاقة الإنسان بالتكنولوجيا وجعل الحاسوب أكثر قربًا وسهولة للناس. ثم جاءت منتجات مثل Macintosh وiPod وiPhone لتترك أثرًا واسعًا في صناعة التكنولوجيا والثقافة الرقمية.
وهنا تكمن الحقيقة الأكبر: الفكرة قد تكون بداية نهضة، وقد تكون إذا أسيء توجيهها بداية هدم.
فالدول لا تخشى عقلًا يفكر، وإنما تخشى أن تترك عقول أبنائها بلا علم، ولا تدريب، ولا مساحة للتجربة؛ لأن الفراغ الفكري لا يبقى فراغًا طويلًا، بل تملؤه أفكار أخرى، قد تبني وقد تهدم.
ومن هنا تصبح ريادة الأعمال قضية وطن، لا قضية أصحاب مشروعات فقط.
ومصر اليوم تتحرك في اتجاه أكثر وضوحًا لدعم منظومة ريادة الأعمال؛ فقد أطلقت الدولة في فبراير 2026 ميثاق الشركات الناشئة المصري لتوحيد وتبسيط الخدمات المقدمة للشركات الناشئة، كما تستهدف مبادرات الدولة توسيع التمويل ودعم نمو الشركات الناشئة.
كما أن التوجه نحو اقتصاد الشباب يربط التدريب وريادة الأعمال والتوظيف بفرص الاستثمار والتمويل، وهو ما يفتح الباب أمام الانتقال من مجرد تأهيل الشباب لسوق العمل إلى تأهيلهم للمشاركة في صناعته.
لكن التحدي الحقيقي ليس أن نمنح الشاب فرصة فقط؛ بل أن نمنحه عقلًا قادرًا على صناعة الفرص.
أن نعلمه كيف يرى المشكلة قبل أن يبحث عن وظيفة، وكيف يحول احتياجًا إلى فكرة، والفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى قيمة، والقيمة إلى اقتصاد.
فالشباب ليسوا فقط قوة بشرية تنتظر دورها في المستقبل؛ إنهم المادة الخام لذلك المستقبل.
وحين توجه الدولة عقول شبابها نحو العلم، والابتكار، وريادة الأعمال، فإنها لا تصنع أصحاب مشروعات فحسب، بل تصنع اقتصادًا أكثر قدرة على المنافسة، ومجتمعًا أكثر إنتاجًا، ووطنًا يملك أدواته في عالم لا ينتظر المترددين.
لذلك، فإن أعظم ريادة يمكن أن نحققها ليست أن نصنع شركة ناجحة فقط…
بل أن نصنع جيلًا يؤمن أن بإمكانه أن يصنع وطنًا أقوى