زهران جلال يكتب | الجمود والإصلاح 

0

التغيير التنظيمي ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هو فعل حياة يبعث الحيوية في جسد المؤسسة ويعيد تشكيل ملامحها لتواكب إيقاع العصر وتحولاته السريعة ،التغيير إعادة بناء واعية تستهدف الثقافة السائدة والهياكل الراسخة والعمليات اليومية، لتتحول المنظومة إلى كيان أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التحديات، والتطور التكنولوجي ، وضغوط الأداء الداخلي،غير أنّ هذا المسار الإصلاحي كثيراً ما يصطدم بجدار صلب من الجمود الوظيفي ” لأهل الثقة” في بعص الهيئات والمصالح ، حيث يبقي  بعض الأفراد في مواقعهم لعقود طويلة، فيخلقون مراكز قوة تتحكم في القرار مع كل مسوؤل جديد، وتفرض أساليب قديمة، وتغلق أبواب التجديد أمام القيادات الجديدة، ويرفعون شعارًا غير معلن: “اللي تعرفه أحسن من اللي تعرفوش”،هذه العقلية التي تفضل المألوف مهما كان عاجزًا، وتخشى المجهول مهما كان واعدًا، تجعل المؤسسة أسيرة لدوائر مغلقة، وتكرّس ثقافة الركود بدلًا من ثقافة الإبداع والإنفتاح. ذلك الثبات على هؤلاء الأشخاص، لعقد من الزمن، في مواقعهم، القريبة من صنع القرار ببعض الهيئات والمصالح والقطاعات ، يفرز حالة من الركود المؤسسي، إذ يتحول الإطراء، والايحاء بالولاء الشخصي إلى معيار للبقاء، بينما يتوارى الأداء والإنجاز خلف ستار العلاقات والقدرة على مخاطبة المسؤول الأول بما يرضيه،ومع مرور الوقت يصبح هؤلاء هم الرؤساء الفعليين، يوجهون القرارات ويصنعون جزرًا منعزلة لرؤسائهم ، حتى يغدو المسؤول الجديد أسيرًا لرواياتهم، يستهلك نصف فترته في محاولة فهم واقع مشوش صنعوه، ويتوه في أضواء خادعة تجعله يتناسى موقعه ودوره في المنظومة العامة، فيظل التطوير مؤجلاً والطموح محبطًا والمنافسة مشلولة، يرسخون صورة سلبية، ويحوّلون المؤسسة إلى كيان متكلّس يفتقد الحيوية والقدرة على السبق، ويخدم مصالحهم الضيقة، ويستكملون دوائرهم باستقدام هذا وذاك ليكتمل الوهم أمام المسؤول، فيبدو رأيهم وكأنه الحقيقة المطلقة، يصنعون إجماعًا زائفًا يحيط القيادات الجديدة، ويغلقون منافذ الرؤية المستقلة، فيتحول القرار إلى أسير لتصوراتهم، ويُختزل الإصلاح في قوالب شكلية لا أثر لها على الواقع. وهكذا تصبح مواقع صنع القرار  مسرحًا لصناعة النفوذ الشخصي، بينما يظل الأداء غائبًا والطموح محبطًا، في وقت يحتاج فيه المستقبل إلى شجاعة تكسر هذه الدوائر المغلقة وتعيد الإعتبار لقيمة الطموح، والإنجاز لا لقوة النفوذ ، والإطراء ..ولعل أخطر ما في هذا المشهد أنّ هؤلاء ينجحون في صناعة إستقلال وهمي ، يوحي بأنهم فوق المساءلة، وأنهم أصحاب التاريخ الدائم في المكان، لا سلطان عليهم ولا مراجعة لأدائهم، وحين يتبدل المسؤول يقفزون من المركب بمهارة، مدّعين أنهم نصحوا ورفضوا وأنهم كانوا على خلاف مع من سبق، ليعيدوا إنتاج ذات الدور مع القادم الجديد،وهكذا يستمرون في تدوير الحلقة المغلقة دون أن يضيفوا خبرة أو يحققوا تميزًا، سوى أنهم يجيدون فن البقاء في الظل وصناعة النفوذ من خلال الثقة الموروثة.مواجهة هذا الجمود في بعض الهيئات والمصالح والمؤسسات بمواقع صنع القرار، تتطلب إرادة قيادية واعية لا تكتفي بتغيير الأشخاص، بل تعيد صياغة الثقافة التنظيمية، وتبني منظومة تقييم صارمة تربط التجديد والتغيير والبقاء، بالإنجاز الفعلي الذي يعود على المجتمع والمواطنين، والمؤسسة. هذه المواقع ينبغي أن ترتبط بالإنجاز والأداء الفعلي، وأن تفرض التدوير الوظيفي لكسر دوائر النفوذ، وتفتح قنوات التعاقب القيادى والإداري، لضمان تدفق الدماء الجديدة. فالهيئات والمصالح، التي لا تجدد نفسها ولا تكسر قيود الجمود محكوم عليها بالإنكماش والتراجع، بينما الجهات والمؤسسات التي تجرؤ على التغيير، وضخ دماء جديدة، وتواجه مراكز القوة وتحقق التنافس والإبداع، وتصنع الطموح ، وتنظر للجميع بعين الإنصاف، هي وحدها القادرة على صناعة المستقبل، وتحقيق السبق، وترسيخ صورة إيجابية تعكس حيوية المنظومة  وقدرتها على التطور والإصلاح الشامل في عالم سريع التحول.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.