د. قياتي عاشور يكتب | ماذا تبيعنا الإعلانات؟

0

هل تشاهد الإعلانات؟ أغلبنا سيجيب بـ “لا”، أو أننا نتجاهلها باعتبارها “فاصلاً مزعجاً”. لكن ماذا لو أخبرتك أن هذه الإعلانات، التي تقتحم علينا حياتنا يومياً، ليست مجرد عروض للبيع والشراء؟ ماذا لو كانت “مرآة” لأحلامنا، ومخاوفنا، وتطلعاتنا الطبقية التي نخفيها؟
في علم الاجتماع، نحن لا نرى الإعلانات كدعاية، بل كـ”نصوص ثقافية” غنية بالمعلومات. إنها تكشف بدقة كيف يفكر المجتمع، أو بالأحرى، كيف يريدنا صانعو هذه الإعلانات أن نفكر ونحلم. وعندما نطبق هذا التحليل على الإعلانات في مصر، نكتشف أنها لا تبيعنا منتجات، بل تبيعنا “أحلاماً” محددة جداً:
الحلم الأول: حلم “العزلة” الطبقية. لاحظ أن إعلانات المجمعات السكنية الفاخرة (الكومباوندز) لا تبيعك “شقة” أو “فيلا”. هي لا تتحدث عن الأسعار أو جودة البناء. بل تبيعك “صورة ذهنية”: شوارع نظيفة، بحيرات صناعية، أطفال يركبون الدراجات في أمان، وسور عالٍ يفصلك عن “الخارج”.
ما هو “الخارج”؟ إنه الواقع المصري الذي نعرفه: الزحام، الضوضاء، وفوضى الشارع. هذه الإعلانات تبيعك “الأمان الطبقي”؛ إنها تبيعك حلم “الهروب” من عامة الناس. إنها رسالة واضحة: النجاح ليس في المال، بل في القدرة على بناء “جيتو” (Ghetto) خاص بك، مجتمع مغلق وآمن ومنعزل.
الحلم الثاني: حلم “الأسرة المثالية”. يصل هذا الحلم إلى ذروته في موسم إعلانات رمضان. إعلانات شركات الاتصالات والبنوك لا تبيعنا “دقائق مجانية” أو “قروضاً”. هي تبيعنا “اللمة” و”العزوة”. إنها تقدم صورة مثالية للأسرة المصرية: عائلات كبيرة، سعيدة، تجلس حول موائد فاخرة، لا يوجد بينهم أي خلاف، والجميع يتصالح بـ “حضن” واحد. هذه الإعلانات تبيعنا “النوستالجيا” (الحنين للماضي)، وتضغط بذكاء على وتر افتقادنا لهذه الصورة المثالية بسبب إيقاع الحياة السريع.
الحلم الثالث: حلم “المرأة النمطية”. لاحظ كيف يتم تصوير المرأة في الإعلانات. حتى تحت غطاء “الحداثة”، هي غالباً ما تقع في صورتين نمطيتين: إما هي “الأم” التي تجد سعادتها المطلقة في طهي الطعام للأسرة (بفضل الزيت أو السمن الفلاني)، أو هي “المرأة العصرية” التي يمنحها غسول الوجه أو نوع الشامبو “الثقة” للانطلاق في العالم. إنها ترسيخ لأدوار اجتماعية محددة، حتى وهي تبيعنا منتجات التجميل.
الخلاصة: الإعلانات ليست مجرد “دعاية”، إنها “مصنع” ضخم لإعادة إنتاج أحلامنا الطبقية وصورنا النمطية. في المرة القادمة التي تشاهد فيها إعلاناً، لا تسأل نفسك: “ما الذي يبيعه هذا المنتج؟”، بل اسأل: “ما هو الحلم الذي يبيعه لي؟”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.