فاطمه عبد الواسع تكتب | التربية قبل التعليم

0

يحمل اسم وزارة التربية والتعليم دلالة عميقة تتجاوز مجرد مسمى إداري، فهو يعكس فلسفة بناء الإنسان في المجتمع؛ إذ تأتي التربية قبل التعليم في ترتيب الكلمات كما في ترتيب الأولويات. فالتربية هي الأساس الذي تُبنى عليه المعرفة، وهي البيئة التي تتشكل فيها شخصية الإنسان قبل أن تمتلئ بالمعلومات والعلوم.

فالتعليم وحده لا يكفي لصناعة إنسان متوازن قادر على الإبداع والتفكير واتخاذ القرار، بل يحتاج أولًا إلى منظومة قيمية وأخلاقية تشكل وعيه وتوجه سلوكه. وقد أشار المؤرخ والفيلسوف عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته إلى أن تكوين الإنسان يرتبط ببيئته ونشأته، وأن الملكات لا تتكون فجأة بل تنمو بالتربية والتدرج. كما رأى الفيلسوف أرسطو أن بناء الأخلاق والفضائل هو الشرط الحقيقي لنجاح أي عملية تعليمية.

التربية في جوهرها ليست مجرد نصائح أو توجيهات، بل عملية بناء متكاملة تبدأ داخل الأسرة وتمتد إلى المدرسة والمجتمع. فمن خلالها يتعلم الطفل احترام القيم، والانضباط، وتحمل المسؤولية، والقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وهي مهارات أساسية تجعل العقل أكثر قدرة على استيعاب المعرفة واستخدامها بصورة صحيحة.

وقد أولت الرسالات السماوية اهتمامًا واضحًا بهذا الترتيب، حيث جاء في القرآن الكريم: “يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ”، فجاءت التزكية – أي التربية – قبل التعليم. كما كان منهج محمد بن عبد الله قائمًا على بناء الإنسان أخلاقيًا وسلوكيًا قبل تعليمه الأحكام والمعارف، حتى أصبحت الأخلاق أساس رسالته في تهذيب الإنسان وبناء المجتمع.

وفي عصر التكنولوجيا والانفتاح المعرفي، لم يعد التحدي في الحصول على المعلومات، فالمعرفة أصبحت متاحة بضغطة زر، لكن التحدي الحقيقي أصبح في كيفية استخدام هذه المعرفة بوعي ومسؤولية. وهنا تظهر أهمية التربية التي تنشئ ضميرًا حيًا يوجه العلم نحو الخير، وتبني عقلًا ناقدًا قادرًا على التمييز بين الحقيقة والمعلومة المضللة، وتصنع شخصية قادرة على اتخاذ القرار والمشاركة الإيجابية في المجتمع.

ومن هنا يصبح بناء التربية السليمة هو الطريق إلى تعليم ذكي وفعال. ويتحقق ذلك حين يدرك المجتمع أن القدوة في السلوك تسبق التوجيه بالكلمات، وأن تنمية التفكير والتحليل أهم من الحفظ والتلقين، وأن إعطاء الأبناء مساحة لتحمل المسؤولية واتخاذ القرار يخلق شخصية مستقلة وقادرة على مواجهة تحديات الحياة. كما أن ربط العلم بالحياة اليومية يجعل التعليم أكثر تأثيرًا وفاعلية، ويحول المعرفة إلى أداة للتنمية والتقدم.

إن المجتمعات التي نجحت في بناء نهضتها لم تبدأ بتطوير المناهج فقط، بل بدأت ببناء الإنسان، لأن التربية هي التي تصنع الوعي، والتعليم هو الذي يصقل هذا الوعي ويمنحه الأدوات. وعندما تتكامل التربية مع التعليم يصبح العلم قوة لبناء المجتمع لا مجرد معلومات محفوظة، ويصبح الإنسان قادرًا على التفكير والإبداع وصناعة المستقبل. ولذلك فقد اثمن الخطوة المهمة التي يناقشها مجلس الشيوخ بشأن إدراج التربية السلوكية في المناهج التعليمية، لما لها من دور كبير في بناء شخصية الطالب وتعزيز القيم الإيجابية داخل المجتمع. لكنني أرى أن الأمر لا يجب أن يقتصر على إضافة مادة دراسية جديدة تُدرَّس بشكل نظري فنحن لا نحتاج منهج في هذه المادة ، لأن التلقين وحده لن يحقق الهدف المطلوب. فالأهم هو تحويل التربية السلوكية إلى أنشطة عملية وتفاعلية داخل المدرسة، تُشرك الطلاب في مواقف حياتية حقيقية وتدربهم على التعامل المباشر مع الآخرين، مثل العمل الجماعي وخدمة المجتمع وحل المشكلات. فالسلوك لا يُكتسب بالمعلومات فقط، بل بالممارسة والتجربة، ولذلك يبقى التطبيق العملي هو الطريق الأكثر فاعلية لترسيخ القيم لدى الأجيال الجديدة. ‎

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.