محمد التوابتي يكتب | مسؤولية المنصب
المنصب مسؤولية.. ورسالة الرئيس في مواجهة الاستعلاء الوظيفي تحمل مضمونًا واضحًا: المنصب ليس امتيازًا، والنفوذ ليس حقًا شخصيًا، والسلطة ليست غاية؛ وإنما جميعها أدوات لخدمة الوطن والمواطن
في الدولة التي تُبنى مؤسساتها على سيادة القانون، لا ينبغي أن يتحول المنصب إلى مساحة للاستعلاء، ولا أن يصبح النفوذ الوظيفي وسيلة لفرض الهيبة على المواطن. فالوظيفة العامة ليست امتيازًا شخصيًا، وإنما مسؤولية وأمانة، وكلما اتسعت صلاحيات المسؤول، اتسع معها واجبه في احترام الناس والقانون.
ومن هذا المنطلق، جاءت رسالة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل تخرج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية المصرية، لتؤكد قيمة أساسية في العمل العام، بعدما حذر سيادته من الاستعلاء «بالمناصب أو الوظائف أو بالتدين أو بالشعور بالاستقامة أو بكافة صور الاستعلاء».
وتحمل هذه الرسالة دلالات مهمة تتجاوز حدود السلوك الشخصي، لتلامس جوهر العلاقة بين المسؤول والمواطن، وبين السلطة والوظيفة العامة؛ فالمسؤول لا يستمد قيمته من موقعه الوظيفي، وإنما من قدرته على أداء واجبه بكفاءة وتجرد واحترام للقانون.
إن هيبة الدولة لا تُبنى باستخدام النفوذ، ولا بإشعار المواطن بأنه طرف أدنى في العلاقة، وإنما تُبنى من خلال احترام القانون، وعدالة الإجراءات، وحسن تقديم الخدمات، وقدرة مؤسسات الدولة على التعامل مع الجميع وفق قواعد واضحة وموحدة.
وفي هذا السياق، يرتبط رفض الاستعلاء بمفهوم أوسع للإصلاح الإداري والحوكمة. فقد أكد الرئيس في يونيو 2026 ضرورة تطبيق معايير الكفاءة والجدارة والشفافية في إجراءات التعيين والترقيات واختيار القيادات داخل الجهاز الإداري للدولة.
فالإصلاح المؤسسي لا يكتمل بمجرد وضع القواعد، وإنما يحتاج إلى ترسيخ ثقافة وظيفية تعتبر المنصب تكليفًا لخدمة الصالح العام، وليس وسيلة لتحقيق نفوذ شخصي أو فرض الوصاية على المواطنين.
كما أن هذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة في إعداد وتأهيل الشباب، الذين يمثلون جزءًا أساسيًا من مستقبل مؤسسات الدولة. فالمطلوب ليس فقط إعداد موظف يمتلك المعرفة والخبرة، وإنما بناء شخصية متوازنة تدرك أن السلطة تقترن بالمسؤولية، وأن الصلاحيات يحددها القانون، وأن احترام الآخرين لا يتعارض مع هيبة الدولة، بل يعزز الثقة في مؤسساتها.
ومن هنا، فإن المسؤولية الحقيقية تبدأ عندما يدرك صاحب المنصب أن موقعه مؤقت، بينما أثر ممارساته قد يبقى طويلًا في نفوس المواطنين وفي صورة المؤسسة التي يمثلها.
إن رسالة الرئيس بشأن رفض الاستعلاء تحمل مضمونًا واضحًا: المنصب ليس امتيازًا، والنفوذ ليس حقًا شخصيًا، والسلطة ليست غاية؛ وإنما جميعها أدوات لخدمة الوطن والمواطن.
فكلما ارتفع موقع الإنسان في سلم المسؤولية، ازدادت حاجته إلى التواضع والانضباط واحترام القانون، لأن قوة الدولة الحقيقية لا تقاس بمدى قدرة المسؤول على استخدام نفوذه، وإنما بمدى التزامه بالقانون وقدرته على تحويل موقعه إلى قيمة مضافة لخدمة المجتمع وبناء دولة المؤسسات.