همت حسين تكتب | خارج دائرة الخبر
في عالم يمتلئ بالأصوات، لم يعد الصمت غيابًا للكلام، بل أصبح في كثير من الأحيان موقفًا قائمًا بذاته. فالإعلام لا يُقاس فقط بما يختار أن يضعه في واجهة المشهد، وإنما أيضًا بما يقرر أن يتركه خارج دائرة الضوء. وبين الحضور والغياب تتشكل واحدة من أكثر القضايا الإعلامية حساسية: من يملك حق تحديد ما يستحق أن يراه الجمهور؟
لم تعد صناعة الاهتمام عملية عفوية. فكل يوم تمر أمام الجمهور مئات القضايا والأحداث والقصص، لكن القليل منها فقط يصل إلى العناوين الرئيسية، بينما تختفي موضوعات أخرى في المساحات الهامشية، رغم أنها قد تكون أكثر تأثيرًا في حياة الناس من أخبار تصدرت المشهد لساعات.
وهنا لا تصبح المشكلة في الخبر ذاته، وإنما في ترتيب الأولويات. فعندما تتكرر الأضواء على قضية واحدة، يصبح حضورها في الوعي الجمعي أكبر من حجمها الحقيقي أحيانًا، بينما يمكن لقضية أخرى أن تتوارى لمجرد أنها لم تجد من يمنحها المساحة الكافية.
وفي البيئة الرقمية، ازدادت المعادلة تعقيدًا؛ لأن ما يلفت الانتباه لا تحدده القيمة الإنسانية أو المجتمعية وحدها، بل تتدخل أيضًا سرعة الانتشار، والتفاعل، والصورة، والعنوان، وقدرة المحتوى على إثارة الفضول. وهكذا أصبح الإعلام يعمل داخل مساحة شديدة الحساسية بين ما يحتاج المجتمع إلى معرفته، وما يرغب في مشاهدته.
لكن الإعلام الذي يطارد ما يريده الجمهور فقط قد يتحول تدريجيًا من صناعة الوعي إلى صناعة الاستهلاك. فليس كل ما يحقق انتشارًا يستحق أن يحتل الواجهة، وليس كل ما يبدو هادئًا يفتقر إلى الأهمية.
وربما تكون قوة الصحافة الحقيقية في قدرتها على أن تمنح المساحة لما لا يملك القدرة على الصراخ؛ أن تقترب من القضايا التي لا تصنع ضجيجًا، لكنها تترك أثرًا عميقًا في حياة الناس. أن تبحث عن الإنسان خلف الرقم، وعن القصة خلف العنوان، وعن المشكلة قبل أن تتحول إلى أزمة.
فالإعلام لا يمارس تأثيره فقط عندما يتحدث، بل أيضًا عندما يختار أين يوجه نظر المجتمع.
ولهذا فإن السؤال الأهم لم يعد: ما الخبر الذي سننشره اليوم؟ وإنما: ما القضية التي تستحق أن نمنحها جزءًا من وعي الناس؟
ففي زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع، لم تعد ندرة الأخبار هي المشكلة، وإنما ندرة المعنى. ومن هنا تبدأ مسؤولية الإعلام الحقيقية؛ أن يعرف متى يتحدث، وماذا يقول، والأهم من ذلك كله… متى يرفض أن يترك الحقيقة وحيدة في الظل.