محمد حوام يكتب | التطوع.. الواقع والمأمول
في عالم مليء بالضغوط والتحديات، يظل التطوع واحدًا من أصدق الأفعال الإنسانية، حيث يقدم الإنسان جزءًا من وقته وجهده دون انتظار مقابل. لكن وبين الصورة المثالية للتطوع والواقع الذي نعيشه توجد فجوة تحتاج إلى وقفة صادقة.
في الواقع لم يعد التطوع دائمًا كما نتصوره فبجانب النماذج المشرفة، ظهر نوع آخر يُسيء للفكرة نفسها، تطوع يُستغل كغطاء لجمع الأموال أو لتحقيق مصالح شخصية أو لبناء شهرة زائفة. مبادرات تُرفع لها شعارات إنسانية لكنها في العمق تخدم أهدافًا بعيدة كل البعد عن العطاء الحقيقي.
وهنا تكمن الخطورة لأن هذا النوع من “التطوع المزيف” لا يضر فقط بالمستفيدين بل يهدم ثقة الناس في العمل التطوعي كله ويجعل الكثيرين يترددون قبل المشاركة أو الدعم.
لكن رغم هذا الواقع لا يمكن أن نعمم فمصر مليئة بشباب واعي، لديه طاقة حقيقية ورغبة صادقة في التغيير. هؤلاء هم الأمل الحقيقي. المشكلة ليست في الشباب بل في غياب التنظيم والرقابة وفي ترك المجال مفتوحًا لمن يستغل الفكرة دون حساب.
وإذا نظرنا حولنا سنجد أن هناك دولًا نجحت في تحويل التطوع إلى قوة حقيقية داخل المجتمع. تجارب قائمة على التنظيم، والشفافية وربط المتطوعين باحتياجات حقيقية على الأرض. ولم يكن هذا النجاح صدفة بل نتيجة تخطيط وإدارة واضحة. وليس عيبًا أبدًا أن نتعلم من هذه التجارب بل العيب أن نُصر على تكرار نفس الأخطاء.
إن التطوع الحقيقي لا يُقاس بعدد الصور ولا بعدد المنشورات بل بمدى التأثير الفعلي فهو التزام واستمرارية وليس “شو إعلامي” مؤقت. وكل شاب اليوم عليه مسؤولية أن يختار المكان الصحيح وأن يكون جزءًا من عمل حقيقي لا واجهة مزيفة.
أما المأمول فهو أن يصبح التطوع في مصر رقم واحد أولوية حقيقية وليس مجرد شعار. نحتاج إلى إدخاله في التعليم وتنظيمه بشكل واضح وفرض رقابة حقيقية تمنع الاستغلال وتدعم النماذج الجادة.
نريد تطوعًا يُبنى على الثقة لا على الاستغلال.تطوعًا يترك أثرًا لا مجرد انطباع.
في النهاية إن التطوع ليس رفاهية بل ضرورة. ومصر بشبابها قادرة أن تجعل منه قوة تدفعها للأمام بشرط أن نتحرك وأن نتعلم وأن نواجه الفساد داخل هذا المجال بنفس الشجاعة التي نطالب بها بالإصلاح.