د.حاتم أبو القاسم يكتب | المجتمع المدني والتنمية المستدامة
تعد منظمات المجتمع المدني بمثابة “المحرك الاجتماعي” الذي لا غنى عنه لتحويل أهداف التنمية المستدامة من طموحات دولية وخطط حكومية إلى واقع ملموس يعيشه الأفراد في حياتهم اليومية، فهي تمثل حلقة الوصل الحيوية والعمود الفقري لأي نهضة شاملة بفضل قدرتها الفريدة على الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً في المناطق النائية والمهمشة، مما يضمن تحقيق مبدأ الشمولية والعدالة الاجتماعية. وتتجلى قوة هذا المحرك في كونه القوة الدافعة التي تمتلك المرونة الكافية للتحرك بعيداً عن القيود البيروقراطية، حيث يعمل كجهاز إنذار مبكر لرصد المشكلات المجتمعية قبل تفاقمها، ويقدم حلولاً ابتكارية ومستدامة تنبع من فهم عميق للواقع المحلي. وإن الدور الذي يلعبه المجتمع المدني يتجاوز مجرد تقديم المساعدات الإغاثية، ليمتد إلى كونه شريكاً استراتيجياً في صياغة السياسات ورصد تنفيذها، فهو يمارس دوراً رقابياً حيوياً يضمن الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد الوطنية، مما يعزز ثقة المواطن في مسار التنمية. كما يشكل المجتمع المدني مختبراً للأفكار الجديدة في مجالات الاقتصاد الأخضر، وتدوير المخلفات، وإدارة الموارد المائية، وهي مجالات تتطلب وعياً مجتمعياً وسلوكاً فردياً منضبطاً لا يمكن تحقيقه عبر التشريعات وحدها، بل عبر الإقناع والمشاركة الميدانية التي تتقنها الجمعيات الأهلية. وعلاوة على ذلك، يبرز دور هذا المحرك في بناء رأس المال البشري من خلال برامج التدريب والتمكين الاقتصادي للمرأة والشباب، مما يحول الفئات المستهلكة إلى قوى منتجة تساهم في الناتج المحلي وتخفف العبء عن كاهل الدولة،وفي ظل التحديات العالمية الراهنة مثل التغير المناخي والأزمات الاقتصادية، يصبح وجود مجتمع مدني قوي ومنظم ضرورة أمنية وقومية، لأنه يعمل كشبكة أمان اجتماعي تمتص الصدمات وتساعد المجتمعات على التكيف مع المتغيرات السريعة. إن الدولة التي تدرك قيمة هذا المحرك الاجتماعي تسعى جاهدة لتمكينه وتوفير البيئة التشريعية والميدانية المناسبة لعمله، إيماناً بأن التنمية المستدامة ليست مشروعاً حكومياً فحسب، بل هي مسؤولية تضامنية تتطلب تكاتف كافة القوى الحية في المجتمع وبدون هذا التفاعل الخلاق، تظل خطط التنمية مجرد نصوص في التقارير الرسمية، بينما يظل المجتمع المدني هو الروح التي تبث الحياة في تلك النصوص وتحولها إلى كرامة إنسانية، وبيئة نظيفة، وفرص عمل حقيقية، واستقرار يدوم للأجيال القادمة، مما يؤكد أن الاستثمار في تمكين المجتمع المدني هو استثمار في استدامة الوطن ذاته وضمان لمستقبل أكثر إشراقاً وتوازناً للجميع.