محمد عبد الباسط القاضي يكتب | اللامركزية بين فرنسا وأمريكا
في الأول، ما هو مفهوم اللامركزية؟
من نفس الكلمة نقدر نفهم إن المقصود
هو عدم تركيز القرار في جهة واحدة فقط، سواء كانت جهة مركزية في العاصمة أو إدارة
عليا في مؤسسة أو شركة.
بمفهوم آخر، اللامركزية هي نقل جزء
من سلطة اتخاذ القرار، ومعها جزء من الموارد والمسؤوليات، إلى المستويات المحلية
أو الجهات الأقرب للمواطن، بدل ما يفضل كل قرار راجع للمركز الرئيسي.
واللامركزية هنا لا تعني غياب الدولة
أو ضعفها، لكنها تعني إن كل قرار يتاخد في المكان الأنسب له، وبواسطة الجهة الأقرب
للمشكلة والأقدر على فهمها، مع وجود رقابة ومحاسبة واضحة.
مثال بسيط على الشركات:
لو عندنا شركة كبيرة وفيها إدارة
مشتريات، هل من المنطقي إن كل قرار شراء، حتى لو بند بسيط زي الأوراق أو الأدوات
المكتبية، لازم يرجع للإدارة العليا للشركة؟
بالطبع لا.
الأفضل إن إدارة المشتريات يكون
عندها صلاحيات واضحة لاتخاذ القرارات اليومية، طالما في حدود معينة، ومع وجود نظام
رقابة ومراجعة.
ونفس الفكرة تنطبق على الدول.
هل عمل موازنة لمدينة معينة، أو
تنفيذ مشروع داخل وحدة محلية، لازم يرجع في كل مرة لمجلس الوزراء أو للجهة
المركزية في العاصمة؟
أم من الأفضل إن يكون هناك قدر من
اللامركزية في القرار، ويكون للمجلس المحلي أو المحافظة دور حقيقي في تحديد
الأولويات واتخاذ القرار، لأنهم الأقرب لاحتياجات المواطنين والأقدر على معرفة
مشاكل المنطقة؟
من هنا تظهر أهمية اللامركزية، لأنها
تساعد على سرعة اتخاذ القرار، وتحسين جودة الخدمات، وربط الخطط والمشروعات
باحتياجات الناس الفعلية في كل محافظة أو مدينة أو قرية.
النموذج الفرنسي
النموذج الفرنسي مهم جدًا بالنسبة
لمصر، لأنه نموذج خارج من دولة موحدة وليست دولة فيدرالية.
فرنسا تاريخيًا كانت دولة مركزية
جدًا، لكن مع الوقت بدأت تنقل جزءًا من الاختصاصات إلى الوحدات المحلية، مثل
البلديات والأقاليم والجهات، مع بقاء الدولة موحدة، والقانون واحد، والرقابة
موجودة.
وده معناه إن فرنسا لم تذهب إلى
تفكيك الدولة أو تحويل كل إقليم إلى دولة صغيرة، لكنها اختارت طريقًا مختلفًا:
دولة قوية، لكن بإدارة محلية لها صلاحيات.
في فرنسا، توجد مجالس محلية منتخبة،
وتوجد اختصاصات واضحة، وتوجد موارد مالية مرتبطة بهذه الاختصاصات. يعني عندما تنقل
الدولة مسؤولية معينة إلى المستوى المحلي، لا تتركه بدون تمويل أو أدوات تنفيذ.
وهنا الدرس المهم.
لا يمكن أن نقول للمحافظة أو
المدينة: أنت مسؤولة عن النظافة والرصف والتنمية المحلية، وفي نفس الوقت لا نعطيها
موارد كافية أو صلاحيات واضحة. هذا ليس لامركزية، هذا تحميل مسؤولية بدون أدوات.
النموذج الأمريكي
أما النموذج الأمريكي فهو مختلف
تمامًا.
أمريكا ليست دولة موحدة مثل فرنسا أو
مصر، لكنها دولة فيدرالية. يعني الولايات نفسها لها وضع دستوري قوي، ولكل ولاية
سلطات واسعة في التعليم والصحة والشرطة والضرائب وبعض القوانين المحلية.
ثم داخل كل ولاية توجد حكومات محلية
مختلفة: مقاطعات، مدن، بلديات، مجالس مدارس، وهيئات محلية متخصصة.
النموذج الأمريكي يعطي مساحة كبيرة
جدًا للمحليات، لكن يجب أن ننتبه أن هذا النموذج لا يمكن نقله كما هو إلى مصر، لأن
طبيعة الدولة مختلفة.
مصر دولة موحدة، وليست دولة
فيدرالية، وبالتالي لا نحتاج إلى نقل النموذج الأمريكي بالكامل، لكن يمكن أن
نستفيد من بعض أدواته المهمة، مثل الانتخابات المحلية، والشفافية، ونشر الموازنات،
وجلسات الاستماع، ومحاسبة المسؤول المحلي أمام المواطن.
بمعنى أبسط: لا نأخذ من أمريكا شكل
الدولة، لكن نأخذ منها فكرة المحاسبة المحلية.
أين تقف مصر؟
لو رجعنا للدستور المصري، سنجد أن
فكرة اللامركزية موجودة بوضوح.
الدستور يتحدث عن دعم اللامركزية
الإدارية والمالية والاقتصادية، ويتحدث عن المجالس المحلية، وعن دورها في متابعة
خطط التنمية، والرقابة على الأجهزة التنفيذية، وعن وجود موازنات وحسابات ختامية
للمجالس المحلية.
يعني المشكلة ليست في غياب النصوص،
ولكن في المسافة بين النص والتطبيق.
لدينا نص دستوري يتكلم عن محليات لها
دور، لكن في الواقع ما زالت الإدارة المحلية في مصر تعاني من مركزية شديدة، وضعف
في الصلاحيات، واعتماد كبير على المركز، وغياب طويل للمجالس المحلية المنتخبة.
وهنا السؤال الحقيقي:
هل من المنطقي أن تظل كل محافظة أو
مدينة أو وحدة محلية تنتظر القرار من المركز في كل التفاصيل؟
هل من المنطقي أن مشكلة شارع أو سوق
أو موقف أو ترخيص أو مشروع محلي بسيط تظل مرتبطة بسلسلة طويلة من الموافقات؟
أم الأفضل أن يكون هناك مجلس محلي
منتخب، ومحافظة لديها صلاحيات، وموارد واضحة، ورقابة حقيقية، بحيث يكون القرار
أقرب للمواطن وأسرع في التنفيذ؟
ما الذي يمكن أن تستفيد منه مصر؟
في رأيي، مصر تحتاج إلى نموذج هجين.
نأخذ من فرنسا فكرة اللامركزية داخل
الدولة الموحدة، بمعنى أن تظل الدولة قوية وموحدة، لكن يتم نقل اختصاصات حقيقية
للمحليات بشكل تدريجي ومنظم.
ونأخذ من أمريكا أدوات المحاسبة
والشفافية، بمعنى أن يعرف المواطن من المسؤول عن الخدمة، ومن الذي يملك القرار،
ومن الذي يحاسبه إذا فشل.
النموذج المناسب لمصر ليس أن تتحول
إلى فيدرالية، وليس أن تظل مركزية كما هي، ولكن أن تتجه إلى لامركزية تدريجية
منضبطة.
تبدأ الدولة بنقل ملفات محددة
للمحليات، مثل النظافة، الرصف، الأسواق، التراخيص المحلية، النقل الداخلي، وبعض
مشروعات التنمية الاقتصادية المحلية.
لكن هذا النقل يجب أن يكون معه ثلاث
حاجات أساسية:
أولًا، صلاحيات واضحة.
ثانيًا، موارد مالية كافية.
ثالثًا، رقابة ومحاسبة.
لأن نقل المسؤولية بدون موارد سيؤدي
إلى فشل، ونقل الموارد بدون رقابة قد يؤدي إلى فساد، ونقل الصلاحيات بدون وضوح
سيخلق تضاربًا بين المركز والمحليات.
اللامركزية والتنمية المحلية
اللامركزية لا يجب أن تكون مجرد
تعديل إداري، لكنها يجب أن تكون مدخلًا للتنمية.
كل محافظة في مصر لها طبيعة مختلفة.
محافظة ساحلية غير محافظة زراعية،
ومحافظة صناعية غير محافظة حدودية، ومحافظة سياحية غير محافظة تعتمد على الزراعة
أو التجارة.
لذلك من المهم أن يكون لكل محافظة
دليل استثماري خاص بها، مبني على طبيعتها الجغرافية، وعدد سكانها، واحتياجاتها،
والمصانع الموجودة فيها، والفرص المتاحة لإنشاء صناعات مكملة.
مثال بسيط:
لو محافظة فيها مصانع غذائية، يمكن
دراسة إنشاء صناعات تعبئة وتغليف أو نقل مبرد أو مخازن لوجستية.
ولو محافظة فيها نشاط زراعي قوي،
يمكن دعم الصناعات القائمة على التصنيع الزراعي.
ولو محافظة ساحلية، يمكن التفكير في
مشروعات مرتبطة بالصيد، والسياحة، والخدمات البحرية.
هذا النوع من التفكير لن يخرج بدقة
من مكتب مركزي في العاصمة فقط، لكنه يحتاج إلى محافظة تعرف نفسها، ومجلس محلي يسمع
الناس، وبيانات حقيقية على الأرض.
الخلاصة
الخلاصة أن اللامركزية ليست رفاهية
سياسية، وليست مجرد شعار إداري.
اللامركزية هي وسيلة لجعل الإدارة
أقرب للناس، وأسرع في القرار، وأكثر ارتباطًا باحتياجات كل منطقة.
فرنسا تقدم لنا نموذجًا مهمًا لدولة
موحدة استطاعت أن تنقل جزءًا من السلطة للمحليات دون أن تفقد وحدة الدولة.
وأمريكا تقدم لنا درسًا مهمًا في
المحاسبة المحلية والانتخابات والشفافية، رغم أن نموذجها الفيدرالي لا يناسب مصر
كما هو.
أما مصر، فهي لا تحتاج إلى نسخ تجربة
كاملة من الخارج، لكنها تحتاج إلى بناء نموذجها الخاص: دولة موحدة، بإدارة محلية
قوية، ومجالس منتخبة، وصلاحيات واضحة، وموارد حقيقية، ورقابة فعالة.
وفي النهاية، لا يمكن أن نتحدث عن
تنمية حقيقية في المحافظات، بينما القرار ما زال بعيدًا عن المواطن.
ولا يمكن أن نطلب من المحليات أن
تتحمل المسؤولية، ثم لا نعطيها الأدوات.
اللامركزية الحقيقية تبدأ عندما نثق
في المستوى المحلي، ونمنحه الصلاحية، ثم نحاسبه بوضوح أمام المواطن.