هاجر محمد موسى تكتب | التمكين الاقتصادي للأكثر احتياجًا
لا جدال بإن قضية التمكين الاقتصادي للمرأة في مصر تحولت من هدف استراتيجي معلن إلى حلم بعيد المنال حيث لاتتجاوز نسبه مشاركة النساء 16% في قوة العمل، ونساء يصرفن على أطفالهن من قوت يومهن تحت مسمى “الاقتصاد غير الرسمي”.
حق العمل ليس هبة تمنح للمرأة، بل هو أحد حقوق الإنسان الأساسية، وأهم الحقوق الاقتصادية التي نص عليها العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالحق في العمل يشكل الأساس الذي تُبنى عليه سائر الحقوق، وهو المدخل الحقيقي لحياة كريمة تليق بالإنسان. يتضمن هذا الحق إتاحة الفرصة لكل فرد، رجلاً كان أو امرأة، لكسب رزقه عن طريق عمل يختاره أو يرتضيه بحرية، في ظل ظروف تحفظ كرامته وأمنه . ومع ذلك، تواجه المرأة المصرية صعوبات وتحديات مزمنة في الحصول على عمل مناسب يكفل لها جميع حقوقها الإنسانية. فهي تعاني لإيجاد بيئة عمل آمنة خالية من التحرش أو العنف، وتكافح للحصول على نفس الأجر الذي يتقاضاه الرجل، إذ لا يزال التمييز قائماً في العديد من الوظائف التي ترفض منحها إجازة وضع أو إجازة أمومة، بل إن بعض أصحاب الأعمال يرفضون توظيف المرأة المتزوجة أو التي تعول أطفالاً خشية التزاماتها الأسرية.
بل الأكثر مرارة أن هناك فئات كاملة من العاملات، مثل عاملات النظافة وعاملات المصانع في المدن الجديدة والمناطق الصناعية، لا يتم توفير دورات مياه خاصة بهن، ولا وسائل آمنة للانتقال من وإلى منازلهن، مما يعرضهن لمخاطر جسيمة تشمل الاعتداء والوصم المجتمعي، وكأن جسدها حين تغادر البيت يصبح ملكاً للشارع لا يحميه قانون ولا عرف.فالنساء ما زلن محشورات في قطاعات منخفضة الأجر مثل التعليم والرعاية والخدمات، في حين تظل نسبة تمثيلهن في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والتمويل متدنية، باستثناء نماذج فردية لا تصنع تحولاً هيكلياً. كما أن التمييز الضمني في قوانين العمل والأجر، رغم تعديلات 2021، لا يزال قائماً في الممارسة اليومية للتعيين والترقية. لذلك، لا يمكن فهم التمكين الاقتصادي للمرأة في مصر بمعزل عن سياسات إعادة توزيع الثروة، فالواقع المصري تعيش فيه النساء كعائل وحيد لأغلب البيوت المصرية، حيث تعول النساء 22% من الأسر، أن تحرير المرأة اقتصادياً وإتاحة الفرصة أمامها لدخول الحياة الاقتصادية بصورة تتساوى فيها من حيث الفرصة والمزايا مع الرجل هو أساس أي تنمية حقيقية.
ولكي تكون عملية التحرير الاقتصادي للمرأة فعالة، فلا بد أن تتاح أمام الفتيات منذ الصغر فرص التعليم والتدريب المتاحة للذكور تماماً، فالمجتمع مثلها مثل الرجل في الحق في التعلم والإنتاج، بل إن تعليم الفتاة هو استثمار في أسرة كاملة، كما تقر بذلك كل أدبيات التنمية الدولية. فمن يقرأ تجربة مصر في ملف المرأة سيجد محاولات تستحق الوقوف، مثل رؤية مصر 2030″ التي جعلت من التمكين الاقتصادي هدفاً استراتيجياً. وُلدت مبادرات مثل “تكافل وكرامة” التي أدخلت ملايين الأسر تحت مظلة الضمان الاجتماعي، و”المرأة تعمر” التي حاولت النزول إلى القرى العميقة. وفي خطوة جريئة، أصدرت الدولة سندات “المرأة الخضراء” بالتعاون مع البنك الأوروبي، وجمعت نحو 100 مليون دولار لتمكين السيدات في صعيد مصر، ونجحت فعلاً في تحويل بعض السيدات في قنا وسوهاج إلى صاحبات مشروعات صغيرة.
ولكن وفقا للأرقام، نجد فجوة هيكلية لا يمكن تجاوزها بالخطابات. فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (2023) ومنظمة العمل الدولية، فإن عدد النساء اللاتي استفدن من برامج التمكين الرسمية (قروض، تدريب، مشروعات صغيرة، حاضنات أعمال) يقدر بحوالي 1.2 مليون سيدة على مستوى الجمهورية منذ 2018. هذا رقم قد يبدو كبيراً لكنه يصبح ضئيلاً عند مقارنته بنحو 7.5 مليون سيدة يعملن في الاقتصاد غير الرسمي، وفقاً لتقديرات منظمة العمل الدولية لعام 2022. أي أن لكل امرأة واحدة تمكنت اقتصادياً عبر البرامج الرسمية، هناك ست نساء أخريات يعملن بدون أي غطاء قانوني أو ضمان اجتماعي.
أما على مستوى الأسر المعيلة، فيوجد حوالي 2.3 مليون أسرة تعولها نساء وفقاً لمسح الدخل والإنفاق 2019، بينما عدد السيدات اللاتي حصلن على دعم نقدي مشروط عبر “تكافل وكرامة” بلغ حوالي 850 ألف سيدة فقط، أي أن أكثر من مليون ونصف المليون أسرة تعولها نساء لا تزال خارج شبكة الأمان الأساسية. وفي القطاع الخاص المنظم، تشغل النساء حوالي 14% فقط من الوظائف القيادية، بينما تمثل المهن منخفضة الأجر في التعليم والرعاية والخدمات أكثر من 65% من إجمالي العاملات.
ومن هنا نجد أن النماذج الناجحة التي تظهر في وسائل الإعلام مثل رائدات الأعمال في مجال التكنولوجيا أو المديرات التنفيذيات في البنوك لا يتجاوز عددهن بضع مئات، بينما تعاني ملايين السيدات في ورش الغورية، وحقول قصب السكر في الصعيد، وجامعات القطن في كفر الشيخ، وعربات الفول والخضار في شوارع المدن المصرية. هؤلاء المهمشات الاقتصاديات لا يقللن من قيمة الناجحات، لكنهن يذكرننا بأن التمكين الحقيقي يبدأ عندما يصبح بإمكان المرأة الفقيرة أن تنام ليلاً وهي تعلم أن غدها مضمون، وليس فقط عندما تصبح مليونيرة أو وزيرة. الفجوة بين الـ 1.2 مليون متمكنة والـ 7.5 مليون مكافحة في الظل هي مقياسنا الحقيقي لتقدم أي سياسة اقتصادية تنصف المرأة.