ياسر حجازي يكتب | التحول نحو الاقتصاد الأخضر
يواجه العالم اليوم أزمة مناخية وجودية تتطلب إعادة صياغة شاملة لمنظومات الإنتاج والاستهلاك. وبالنسبة للدولة المصرية، لم يعد التحول نحو الاقتصاد الأخضر مجرد التزام بالمعاهدات الدولية أو استجابة لضغوط خارجية، بل هو ضرورة استراتيجية وفرصة اقتصادية كبرى لتدشين عصر جديد من الشركات الناشئة القادرة على المنافسة عالمياً.
إن تبني مفهوم المباني المستدامة والاعتماد على المواد المعاد تدويرها في قطاع الإنشاءات ليس ترفاً هندسياً أو صرخة في عالم التصميم، بل هو استثمار ذكي طويل الأمد. فهذه المنشآت تسهم بشكل مباشر في خفض الانبعاثات الكربونية وتقليص الهدر في الطاقة بنسب هائلة، مما يرفع من القيمة السوقية للعقارات ويقلل التكاليف التشغيلية. إن “عمارة المستقبل” هي تلك التي تصالح البيئة بدلاً من استنزافها.
تمتلك ريادة الأعمال المستدامة قدرة فائقة على توليد آلاف فرص العمل النوعية للشباب المصري، لا سيما في مجالات:
الطاقة المتجددة: كحل جذري لأزمات الطاقة التقليدية.
إدارة النفايات وتحويلها: لتحويل الأعباء البيئية إلى ثروات صناعية.
تكنولوجيا المدن الذكية: لتحسين جودة الحياة وتقليل البصمة الكربونية للمدن.
إن مصر، بمواردها الطبيعية الوفيرة وموقعها الجغرافي الفريد، مؤهلة لتصبح مركزاً إقليمياً للاقتصاد الأخضر. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر هو جسر الفجوة المعرفية؛ فالمستثمر الشاب والمهندس الطموح بحاجة إلى وعي تقني يربط بين المعايير البيئية ودراسات الجدوى الاقتصادية، بحيث يصبح “الالتزام البيئي” ميزة تنافسية تفتح أبواب الأسواق الدولية أمام الصادرات المصرية.
إن الطريق نحو ريادة أعمال خضراء حقيقية يبدأ بخلخلة القناعات القديمة وتغيير الثقافة الاستثمارية والهندسية، لتصبح البيئة شريكاً في الأرباح لا ضحية للنمو السريع. ولتحقيق هذه القفزة، نضع التوصيات التالية:
أولاً: الدعم المالي والتشريعي: ضرورة تقديم حوافز ضريبية ملموسة وتسهيلات ائتمانية بفوائد تفضيلية للشركات الناشئة التي تتبنى تقنيات نظيفة أو تعتمد مواد بناء معاد تدويرها، لتحويل “الأخضر” من خيار مكلف إلى خيار مربح ومنافس.
ثانياً: النهضة التعليمية والتدريبية: إدراج تخصصات “الاقتصاد الأخضر” وعلوم الاستدامة كركائز أساسية في المناهج الجامعية والبرامج التدريبية. إن تأهيل الكوادر البشرية هو الوقود الحقيقي لمحرك الاقتصاد الجديد.
إن الاستثمار في الأخضر هو استثمار في البقاء، وفي القدرة على الصمود أمام تقلبات الاقتصاد العالمي، لضمان مستقبل تزدهر فيه الأرباح وتستدام فيه الحياة.