محمد عمران يكتب | ثورة يناير.. بين الاختزال والإنصاف

0

منذ اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير، انقسمت الآراء بين مؤيدٍ ومعارض، وتباينت الروايات بتباين الزوايا والاصطفافات. غير أن أخطر ما شاب هذا الجدل هو اختزال الحدث في فاعلين بعينهم أو في مؤامرة مكتملة الأركان، مع تجاهل متعمد، أو سهو مقصود، للسياق الحقيقي الذي كانت تعيشه الدولة المصرية آنذاك.

هناك من حصر الثورة وقصرها على أطراف معينة، داخلية وخارجية، وأغفل حقيقة جوهرية مفادها أن مصر قبل يناير كانت تعاني تحديات كثيرة، وتدهورًا واضحًا، وغيابًا شبه كامل للرؤية والخطط التنفيذية في معظم ملفات التطوير. وكانت الدولة قد وصلت إلى حالة من الجمود والترهل، داخليًا وخارجيًا، مما انعكس على مكانتها الإقليمية، وعلى جودة حياة المواطن، وعلى كفاءة مرافقها وخدماتها الأساسية.

يتغافل هذا الطرح الاختزالي عن حقيقة أخرى لا تقل أهمية: أن ثورة يناير، بكل ما شابها من أخطاء وانحرافات لاحقة، كانت لحظة كاشفة. لولاها لما أعيد فتح الملفات المسكوت عنها، ولما بدأت الدولة لاحقًا في إعادة بناء قدراتها، وتحديث عتادها، وإعادة صياغة أدواتها في إدارة الملفات المحلية والإقليمية والدولية. المقارنة بين ما قبل يناير وما بعدها، رغم قسوتها، تكشف حجم الفارق بين سنوات مظلمة تراجعت فيها الدولة، ومرحلة لاحقة استعادت فيها مصر جزءًا معتبرًا من قوتها وهيبتها.

كما يتجاهل البعض أن مسار الدولة حينها كان قد أفرز حالة من الجهل واللاوعي، وتراجعًا في الصحة العامة، وانهيارًا تدريجيًا في مرافق الدولة. كما لا يمكن إغفال أن قطاعًا واسعًا من المصريين خرج في يناير دون أن يكون جزءًا من أي تنظيم، أو أداة في يد أي مؤامرة، ودون علم بخيوط التخريب أو التحريض أو الحرق. خرجوا بدافع الإحساس بانسداد الأفق، وبحثًا عن مسار تغيير، آمنوا، ولو ببراءة، أنه قد يفتح بابًا لمستقبل أفضل.

نعم، تداخلت المؤامرات، وتشابكت المصالح الداخلية والخارجية، واستغلت قوى عديدة المشهد لمحاولة إسقاط الدولة لا إسقاط النظام. لكن الفارق الجوهري أن هناك من خرج في يناير لإسقاط النظام، لا إسقاط مصر. وحين أدرك المصريون لاحقًا حجم الخطر الذي يهدد كيان الدولة ذاته، خرجوا مرة أخرى في الثلاثين من يونيو لتصحيح المسار، واستعادة الدولة من قبضة من حاولوا اختطافها.

إن قراءة ثورة يناير بإنصاف لا تعني تقديسها ولا شيطنتها، بل وضعها في سياقها التاريخي الصحيح: لحظة غضب شعبي حقيقي على مسار فاسد ومغلق، تخللتها أخطاء جسيمة واستغلتها قوى انتهازية، ثم أعقبها وعي جمعي صحّح المسار. وبين يناير ويونيو، تشكلت معادلة مصر الحديثة: دولة تعلمت من الصدمة، وأعادت بناء نفسها، ودفعت ثمنًا باهظًا لتبقى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.