في قلب كل مواطن عربي، من المحيط إلى الخليج، تسكن صورة ذهنية دافئة ولدت من رحم التاريخ والألم المشترك. صورة الجندي العربي الذي لا يرفع سلاحه إلا ليذود عن جارٍ، ولا يتحرك إلا ليعيد طفلاً إلى مدرسته في مدينة مزقتها الصراعات. إن الطموح الشعبي لإيجاد قوة عربية مشتركة ليس مجرد مطلب سياسي أو عسكري، بل هو “نداء استغاثة” من روح قومية أرهقها الاعتماد على الآخرين لرسم خارطة أمنها.
إن النبض الشعبي يتحدث بشوق لسلامٍ “بأيدينا”، حيث يرى المواطن العربي البسيط في هذه القوة “بيت العز” الذي يحميه. هي في مخيلته ليست أداة للهجوم، بل هي حائط الصد الذي يمنع نزيف الدماء في عواصم كانت يوماً منارات للثقافة والعلم. فالناس تحلم بلحظة يتوقف فيها التدخل الخارجي، حيث يحل “الأخ” مشاكل “أخيه” في إطار بيت العرب (جامعة الدول العربية)، بدلاً من انتظار قرارات دولية تأتي غالباً متأخرة أو محملة بالأجندات. إن الناس تتوق لرؤية طائرات إغاثة تحمل شعاراً موحداً تهبط في مناطق الكوارث والحروب، معلنةً أن “الدم العربي واحد”، وأن حماية الإنسان العربي هي الأولوية القصوى فوق كل اعتبار.
إذاً لماذا يتأخر القرار؟
بقدر جمال هذا الحلم، يصطدم الواقع بجدار صلب من التحديات التي تجعل قرار تفعيل هذه القوة يتأجل مرة تلو الأخرى. وبعيداً عن الأرقام والخطط، هل نجد إجابات واضحة حول أسباب تأخر هذا القرار المصيري الذي يلامس تأخره جراحاً غائرة: هل تخاف الدول، في ظل تقلبات السياسة، من أن تتحول هذه القوة إلى أداة للتدخل في الشؤون الداخلية؟. هل هذا الحذر “الأخوي” يمنع القلوب من الانفتاح الكامل على فكرة القيادة الموحدة، فكل عاصمة لا تزال متمسكة بمفاتيح أمنها وحدها ؟، أم تتباين الرؤى حول “العدو” و”الصديق”، فما يراه بلد عربي خطراً وجودياً، قد يراه بلد آخر شريكاً محتملاً؟. هل هذا يعتبر تشتتاً في تحديد مصادر التهديد يجعل من الصعب الاتفاق على “وجهة السلاح”، فيبقى القرار حبيس الأدراج بانتظار بوصلة واحدة؟، أم أنه الثقل الاقتصادي واللوجستي؟. فهل نعتبر أن بناء جيش موحد يتطلب ميزانيات ضخمة وتوحيداً لأنظمة التسليح؟. وفي ظل الظروف الاقتصادية الخانقة التي تمر بها بعض الدول، هل يصبح توفير لقمة العيش أحياناً مقدماً على تمويل مشاريع عسكرية كبرى؟، أم يا ترى أنها الضغوط الدولية ؟. فالقوى العظمى لا تحبذ دائماً وجود كتلة عسكرية عربية موحدة ومستقلة، لأن ذلك يغير موازين القوى العالمية ويقلل من حاجتنا لـ “الحماية” الخارجية التي تفرضها تلك القوى.
وباستعراض مختصر بسيط، يمكن قراءة تاريخ العمل العربي المشترك دون التوقف طويلاً أمام “معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي” التي رأت النور في عام 1950. كانت تلك الوثيقة، ولا تزال، تجسيداً قانونياً للحلم الذي طالما داعب خيال الشعوب؛ حلم مفاده أن “الأمن القومي العربي هو كلٌّ لا يتجزأ”، وأن أي عدوان على دولة عضو هو عدوان على الجميع. ولكن، لماذا بقيت هذه النصوص الأنيقة حبيسة الأوراق، بينما تشتعل النيران في أطراف الجسد العربي؟. لقد جاء هذا الميثاق كرد فعل مباشر على نكبة 1948، محاولاً صياغة ردع جماعي يمنع تكرار المأساة، حيث نصت المادة الثانية منه صراحة على التزام الدول الموقعة بتقديم المساعدة العسكرية الفورية للدولة المعتدى عليها. كان الطموح وقتها أن تتحول جامعة الدول العربية من مجرد منبر للخطابات إلى “درع وسيف”، حيث تتوحد الخطط العسكرية، وتُنشأ قيادة عامة موحدة تشرف على التحركات الميدانية.
ورغم الإحباط العام، شهد التاريخ لمحات عابرة من محاولات جادة لاستحضار روح الميثاق، وإن لم تكن بالشكل المؤسسي الكامل. فنصر أكتوبر 1973 مثّل ذروة التنسيق العسكري العربي، حيث تجلت القوة المشتركة في أبهى صورها الميدانية والسياسية (سلاح النفط)، مما أثبت أن الإرادة السياسية هي المحرك الأول للنصوص. وفي العصر الحديث ظهرت تشكيلات إقليمية مصغرة، مثل مناورات “رعد الشمال” و”درع الجزيرة”، حاولت ملء الفراغ، لكنها ظلت مرتبطة بتحالفات ظرفية أو مناطقية أكثر من كونها قوة شاملة تحت مظلة الجامعة العربية.
حلمٌنا لا يموت
إن ميثاق الدفاع العربي ليس نصاً ميتاً، بل هو “مشروع مؤجل”. الحاجة إليه اليوم تزداد مع تزايد الأطماع الإقليمية وتفكك بعض الدول من الداخل. إن إعادة إحياء هذا الميثاق تتطلب انتقالاً من “دبلوماسية القمم” إلى “واقعية الميدان”، حيث تُبنى الثقة أولاً عبر مراكز تدريب مشتركة، وتصنيع عسكري تكاملي، بعيداً عن صراعات النفوذ. فالمواطن العربي لا ينتظر تعديلاً في بنود الميثاق، بل ينتظر أن يرى “العسكري العربي” يحمي الحدود العربية بقرار نابع من قلب العواصم العربية، لا من خارجها.
وبرغم التأجيل، والعثرات التي تدمي أقدام الحالمين، يبقى قرار القوة العربية المشتركة هو “القدر المحتوم” إذا أرادت هذه الأمة أن تحجز لها مكاناً تحت الشمس. إنها ليست مجرد رغبة في التسلح، بل هي رغبة في الحياة، وفي أن ينام الطفل العربي وهو يعلم أن خلفه أمة كاملة تحرس أحلامه.
التأخير مؤلم، لكنه يعكس حجم الأمانة وعظمة المسؤولية. فهل نرى يوماً ذلك العلم الواحد يرفرف فوق قوةٍ تزرع السلام وتحصد الأمان؟
عضو مجلس النواب المصري
عضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين
مارس 20