أحمد زهران يكتب | إيران.. توازن الضرورة

0

قراءة في توازنات القوة التي تحكم الشرق الأوسط

مقدمة
منذ عقود طويلة، ظلّ الشرق الأوسط ساحةً لتشابك المصالح والصراعات، لكنه في الوقت نفسه محكوم بقواعد غير مكتوبة تحفظ قدرًا من التوازن يمنع الانفجار الكامل. وبينما تبدو الحروب والصدامات وكأنها تسعى إلى الحسم النهائي، فإن القراءة المتأنية تشير إلى أن كثيرًا من هذه المواجهات لا تستهدف الإطاحة الكاملة بالخصم، بل تهدف إلى ضبط قوته وإبقائها ضمن حدود معينة. وفي هذا السياق يمكن فهم الصراع الدائر حول إيران.
فإيران، رغم كونها خصمًا مباشرًا للولايات المتحدة وإسرائيل في ملفات عديدة، تظل في الوقت ذاته أحد عناصر التوازن في الإقليم. لذلك فإن الضربات العسكرية أو الضغوط السياسية التي تتعرض لها لا تبدو مصممة لإسقاط النظام السياسي فيها، بقدر ما تهدف إلى تقليم أظافره أو قطع بعض أصابعه، أي الحد من قدرته على التمدد دون دفعه إلى الانهيار الكامل.
السبب في ذلك أن انهيار دولة كبيرة بحجم إيران لن يخلق فراغًا عاديًا، بل قد يفتح أبواب المنطقة على موجة من الفوضى يصعب احتواؤها. فالتجارب القريبة أظهرت أن سقوط الدول أو إضعافها بشدة غالبًا ما يطلق العنان لتيارات الإسلام السياسي الجهادية المسلحة، التي تنشط عادة في الفراغات الأمنية وتتحول بسرعة إلى تهديد عابر للحدود.
ومن هنا يصبح وجود إيران، بكل تناقضاتها وصراعاتها مع محيطها، جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي، حتى لدى خصومها. فهي تمثل في بعض المناطق سدًا جغرافيًا وسياسيًا يمنع تمدد جماعات مسلحة في العراق وأفغانستان وآسيا الوسطى، ويحول دون تحول تلك المساحات إلى بؤر فوضى مفتوحة.
مصر بعد اتفاق السلام: ركيزة الاستقرار
وإذا كانت إيران تمثل أحد عناصر التوازن في الشرق، فإن مصر تمثل الركيزة الكبرى للاستقرار في قلب المنطقة العربية منذ توقيع اتفاق السلام المصري الإسرائيلي.
فهذا الاتفاق لم ينهِ حالة الحرب التقليدية فحسب، بل أعاد رسم البيئة الاستراتيجية للمنطقة. فقد بقيت مصر دولة ذات جيش كبير وقوي، وذات نظام قومي يستند إلى فكرة الدولة الوطنية، لا إلى مشاريع عابرة للحدود أو أيديولوجيات دينية مسلحة.
وجود مصر بهذا الثقل العسكري والسياسي كان ولا يزال أحد الضمانات الأساسية لعدم انجراف المنطقة إلى هيمنة تيارات الإسلام السياسي الجهادية المسلحة. فالقاهرة لعبت عبر عقود دور الحاجز الذي يمنع تحول المشرق العربي إلى ساحة مفتوحة أمام التنظيمات العنيفة، سواء عبر المواجهة الأمنية المباشرة أو عبر تثبيت فكرة الدولة الوطنية في مواجهة مشاريع الفوضى.
لقد شكّل الجيش المصري، بحجمه وتنظيمه وعقيدته، عنصر ردع استراتيجي يفرض على جميع الأطراف الإقليمية حسابات دقيقة قبل الانزلاق إلى مغامرات غير محسوبة. وهذا الوجود العسكري المتماسك لم يكن موجهًا للحرب فقط، بل كان عنصر استقرار سياسي في المنطقة بأسرها.
لماذا لا تتعمق الضربات ضد إيران؟
في ضوء هذه المعادلة يصبح مفهوماً لماذا لا تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تعميق الضربات العسكرية ضد إيران إلى الحد الذي قد يؤدي إلى انهيارها.
فإضعاف إيران إلى درجة كبيرة قد يفتح المجال لعودة نشاط تيارات الإسلام السياسي الجهادية في العراق، وهي تيارات تملك خبرة قتالية طويلة وشبكات ممتدة عبر الحدود. ومع ضعف الدولة في طهران، قد تجد هذه الجماعات فرصة لإعادة تنظيم صفوفها وتوسيع نفوذها في مساحات واسعة من الإقليم.
كما أن إضعاف إيران بشدة قد يمنح النظام السوري مساحة أكبر للتحرك واستعادة نفوذ إقليمي أوسع. ورغم اختلاف المسارات السياسية، فإن البيئة التي نشأ فيها هذا النظام تحمل خلفيات فكرية وسياسية سمحت في مراحل مختلفة بتغذية جماعات مسلحة ذات طابع جهادي أو توظيفها في صراعات المنطقة.
وبالتالي فإن تعميق الضربات إلى مستوى إسقاط الدولة الإيرانية قد يقود إلى نتيجة عكسية تمامًا: تفكك مركز إقليمي كبير، وصعود قوى غير منضبطة يصعب السيطرة عليها.
أربع ضمانات للأمن الإقليمي
عند النظر إلى خريطة الشرق الأوسط اليوم، يمكن القول إن أمن المنطقة يقوم على وجود أربع قوى إقليمية كبرى تشكل معًا شبكة توازن غير معلنة: إيران، وتركيا، ومصر، وإسرائيل.
كل واحدة من هذه القوى تمثل مركز ثقل في نطاق جغرافي معين، وغياب أي منها أو انهيارها قد يؤدي إلى اختلال واسع في التوازن الإقليمي.
إيران تضبط توازنات الشرق والخليج وآسيا الوسطى.
تركيا تشكل قوة رئيسية في الشمال وتمتلك نفوذًا متزايدًا في محيطها.
إسرائيل تمثل قوة عسكرية متقدمة لها حضور مباشر في حسابات الأمن الإقليمي.
أما مصر فتمثل مركز الثقل العربي وصمام الأمان في قلب العالم العربي.
الدور المصري في معادلة التوازن
من هذا المنظور، يصبح الدور المصري أكثر أهمية مما يبدو في الظاهر. فالقاهرة ليست مجرد دولة كبيرة في المنطقة، بل هي الدولة التي تمتلك القدرة على ضبط الإيقاع السياسي في المجال العربي الواسع.
فالجيش المصري، بحجمه وانتشاره وخبرته التاريخية، يمثل أحد أكبر الجيوش في الشرق الأوسط، وهو عامل استقرار استراتيجي يمنع تحوّل المنطقة إلى مسرح مفتوح للفوضى المسلحة.
كما أن النظام السياسي القائم على فكرة الدولة الوطنية القومية يمنح مصر قدرة على مواجهة الخطابات العابرة للحدود التي تتبناها الجماعات الجهادية. ولذلك فإن بقاء مصر مستقرة وقوية يمثل في حد ذاته حاجزًا أمام عودة موجات العنف التي شهدتها المنطقة في العقد الماضي.
السيناريو التركي في حال ضعف إيران
لكن معادلة التوازن قد تتغير إذا تعرضت إيران لضعف شديد. ففي هذه الحالة قد تسعى تركيا إلى توسيع دورها الإقليمي بشكل أكبر، مستفيدة من الفراغ الذي قد ينشأ في مناطق النفوذ الإيراني.
تركيا تمتلك بالفعل حضورًا سياسيًا وعسكريًا في أكثر من ساحة إقليمية، وتتبنى في بعض الأحيان سياسات توسعية تسعى إلى توسيع نفوذها في محيطها الجغرافي. ومع تراجع إيران قد تجد أنقرة فرصة لتعزيز هذا الدور في العراق وسوريا وربما في مناطق أخرى.
غير أن هذا التوسع المحتمل قد يحمل معه مخاطر إضافية، إذ إن التنافس بين القوى الإقليمية قد يخلق بيئة مناسبة لعودة تيارات الجهاد الإسلامي بشراسة أكبر، مستفيدة من الصراع بين هذه القوى ومن الفراغات الأمنية التي قد تظهر في بعض المناطق.
الخلاصة
إن الصراعات الجارية في الشرق الأوسط لا يمكن فهمها فقط من خلال ظاهرها العسكري، بل يجب النظر إليها ضمن شبكة معقدة من التوازنات. فالقوى الكبرى في الإقليم، رغم تناقضاتها، تشكل معًا منظومة غير معلنة لحفظ الحد الأدنى من الاستقرار.
الهدف من الضغط على إيران ليس إسقاطها، بل ضبط قوتها. لأن سقوطها قد يفتح الباب لفوضى أكبر، تعود فيها الجماعات الجهادية المسلحة لتملأ الفراغ.
وفي قلب هذه المعادلة تبقى مصر، بجيشها الكبير ونظامها القومي، أحد الأعمدة الرئيسية التي تمنع انزلاق المنطقة إلى هذا المصير. ومع وجود إيران وتركيا وإسرائيل، يتشكل توازن هش لكنه ضروري، توازن قد يبدو متناقضًا في ظاهره، لكنه حتى الآن هو ما يحول دون انفجار الشرق الأوسط بالكامل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.