بقلم دكتورة اية صابر رفعت
ماذا يحدث عندما تغيب القيادة في أي مؤسسة ؟
هل تتوقف المنظومة ويصيبها الارتباك أم تستمر بثبات لأن هناك من تم إعداده مسبقا لقيادة المرحلة التالية
هذا السؤال يكشف بوضوح جوهر قضية بالغة الأهمية في عالم الإدارة المعاصر ألا و هي قضية إعداد قادة الصف
الثاني فالمؤسسات القوية لا تبنى فقط على وجود قائد ناجح في موقعه بل تقوم على منظومة متكاملة قادرة على
إنتاج قيادات جديدة تحمل المسؤولية وتستكمل مسيرة العمل بكفاءة واستقرار
في كثير من المؤسسات يظل النجاح مرتبطا بشخص القائد نفسه وليس بالنظام المؤسسي الذي يضمن استمرارية
الأداء ومع مرور الوقت تتحول الخبرة إلى معرفة فردية يحتفظ بها عدد محدود من القيادات وهو ما يجعل
المؤسسة عرضة للارتباك و التوتر في اللحظة التي تغيب فيها تلك القيادات لأي سبب
من وجهه نظري الأزمة الحقيقية ليست في غياب القادة بل في غياب من يتم إعدادهم ليكونوا قادة بشكل سليم و
مدروس ومن هنا يظهر مفهوم إعداد قادة الصف الثاني باعتباره ضرورة إدارية واستراتيجية
في الوقت نفسه فهو ليس مجرد برنامج تدريبي أو إجراء تنظيمي بل رؤية مؤسسية طويلة المدى تقوم على
اكتشاف الكفاءات الشابة داخل المؤسسات والعمل على تنمية مهاراتها القيادية وإشراكها تدريجيا في دوائر
التفكير وصنع القرار حتى تصبح قادرة على تحمل المسؤولية في المستقبل لكي يكونوا مؤهلين للقيادة بشكل فعلي
و مدروس فالعملية القيادية ليست برنامج تدريبي فقط بل بناء شخصيات قادرة فعلا علي القيادة تتعلم من القادة
الحاليين و تأخذ منهم نتاج خبراتهم و تستمر في تطوير نفسها فيما يتواكب مع متغيرات العصر
الدول التي نجحت في بناء مؤسسات قوية ومستقرة أدركت مبكرا أن القيادة ليست مجرد منصب بل عملية
مستمرة لصناعة القادة ولهذا تبنت سياسات واضحة لاكتشاف المواهب وتنمية القيادات الشابة باعتبارها جزءا
أساسيا من استراتيجيات إدارة الموارد البشرية
وفي الواقع المصري تزداد أهمية هذا التوجه مع تسارع متطلبات التنمية وبروز الحاجة إلى كوادر مؤهلة قادرة
على إدارة المؤسسات بكفاءة و وعي فبناء الإنسان و الاستثمار في العنصر البشري وتأهيل القيادات لم يعد خيارا
تنظيميا و لا رفاهية ننادي بها بل أصبح ضرورة وطنية لضمان استمرارية العمل المؤسسي وتحقيق أهداف التنمية
المستدامة كما أن الاستثمار في القيادات الشابة يمنح المؤسسات طاقة جديدة تجمع بين الخبرة المتراكمة لدى القيادات
الحالية وبين روح الابتكار والطموح لدى الأجيال الجديدة وهو ما يخلق بيئة عمل أكثر قدرة على التطور والتكيف
مع التحديات المتغيرة
إن القائد لا يصنع في لحظة ولا يظهر فجأة عند الأزمات بل يتشكل عبر مسار طويل من التعلم والخبرة والثقة
ولهذا فإن المؤسسات التي تفكر في المستقبل تبدأ مبكرا في إعداد من سيقود هذا المستقبل بدمج الشباب و
الكوادر المتميزة تدريجيا استعداداً ليكونوا قادة المستقبل
وفي النهاية يبقى إعداد قادة الصف الثاني أحد أهم المؤشرات على نضج المؤسسات وقدرتها على الاستمرار لأن
المستقبل لا تصنعه القيادات الحالية فقط بل تصنعه أيضا القيادات التي يتم إعدادها اليوم لتقود الغد وتواصل
مسيرة البناء والتنمية في وطن يحتاج دائما إلى العقول القادرة على القيادة وصناعة الأمل و الوعي
حفظ الله مصر وطننا الغالي وألهم أبناءها دائما الحكمة والعمل من أجل مستقبل أفضل
دكتور اية صابر رفعت