يرى بعض المستقبليين والعلماء الذين يتطيرون من تضخم التقنية الدقيقة جدا وخاصة أن أحد أهم وأبرز التحديات التي تهدد للإنسان يأت من قبل الذكاء الاصطناعي، وهو ما يقود إلى بروز ظاهرة “التفرد”، والذي تعني أن مزاحمة الآلات عند مرحلة معينة في الزمن تكون خطرة لدرجة ما سوف تكون عليه عندما تصبح ذكية على نحو كافٍ، أو أكثر من الخط الذي يمكن الإنسان من السيطرة والتوجيه لتتحول إلى المواجهة والتصعيد، و لدرجة أنها ستكون قادرة على تعديل وتحسين نفسها بنفسها حين تمتلك القدرة على التوليد الذاتي للبرمجيات التطورية الذاتية مما يؤدي إلى الذكاء الجامح، حيث يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية أن تكتب بالفعل بشكل أكثر وضوحاً وإقناعاً من معظم البشر، ويمكنها إنتاج صور مدهشة وفنون مختلفة وحتى أكواد حاسوبية بناءً على مطالبات لغوية بسيطة.
يحلل البعض من دارسي مخاطر الذكاء الصناعي والتقنيات الدقيقة على فاعلية العقل البشري ومن ثم الذكاء الإنساني الطبيعي ويقولون أن المعادلة التي تربط بين الأثنين في ظاهرها علاقة طردية، ولكن الحقيقة تشير إلى ملاحظات مهمة قد تؤدي في النهاية إلى الإيمان بأننا أمام معادلة عكسية شديدة التناقض، أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في المهام النمطية أولى الخطوات في الانخفاض التدريجي لمستوى الذكاء الطبيعي وهذا بالتأكيد أمر ملموس وموثق، ولأن هذه المهام النمطية هي البوابة التي يُطَوِّر من خلالها البشر مستوى ذكائهم ومهاراتهم بشكل أساسي ومنذ أن خطى الخطوة الأولى نحو صناعة المعرفة، المصمم الهندسي مثلا والذي يجد صعوبة كبيرة في تصميم خرائط هندسية أو تصميمات تناسب مستوى تحصيه العلمي وخبرته البسيطة سيتعلم تدريجياً -على الأقل من خلال المحاولة والخطأ- الكيفية المثلى للتصميم والأبتكار والإبداع التي تناسب مع مستوى التحصيل الشخصي المستند على التدريب والحبرة والتجربة، وهنا سوف يعرف الفرق الفني والتجريبي بين محاولاته القديمة والجديدة ويبني نظرية أو رؤية خاصة به، بمقارنةً بروبوتات الذكاء الاصطناعي التي تنتج نماذج عامة لا تراعي الفروق الفردية ولا المستويات التجريبية ولا البيئات التحليلية المختلفة.
وما يُقال عن تجربة المهندسين يمكن أن يُقال كذلك على وظائف أخرى قد يُحرَم من يعملون بها من تنمية ذكائهم ومهاراتهم، لأنها ستبقى معطلة إلى حد كبير جرَّاء الاعتماد على روبوتات الذكاء الاصطناعي التب لا يمكن أن تبني معرفة خارج البرمجة البشرية إلا إذا خرج البرنامج التلقيني من دائرة التنفيذ المغلق إلى دائرة صنع برمجة أرتدادية أو ما يعرف علميا بالذكاء التوليدي، صحيح أن مجالات الذكاء الصناعي للأن تقول أنها قدمت أسهامات فعالة في حل الكثير من الإشكاليات العملية والمعرفية، وقدمت أفكارا قد نحتاج لها سنينا حتى تتبلور، لكن المشكلة ليست في هذا الجانب العملي، الإشكالية الكبرى وكما قلت هي في سعي العقل البشري لجعل الذكاء المصنع يفوق الخيال النظري، عندها لا نعرف تماما شكل الواقع وشكل المعرفة وتوجهاتها ودورها على الحياة الوجودية بشكل عام، إنه عصر جنون التكنلوجيا.
حتى ومع حقيقة أن العقل البشري لا يمكن أن يهزم سريعا وأن يتخلى عن ماهيته وعن أصره بالشكل المأساوي الذي يطرحه البعض، لكن من الصعب أيضا على العقل التي تعود أو أعتاد وأستسهل التعامل مع الحلول الجاهزة والسريعة التي يوفرها الذكاء المبرمج المسبق، إذ ليس من الشهل أن يغير نمط تفكير اعتاد عليه لسنوات طويلة وسط عالم مادى متسارع.. لكنى أقول أن قدرتك على تغيير نمط التفكير هذا ينبع من فهمك لحقيقة الأشياء ومقدار مساسها وتماسها معك ومع حاجاتك ورغباتك واخيرا مصيرك، في هذا المفصل ربما يستعيد العقل البشري وعيه المسلوب ويحاول أن يدافع عن نفسه بقوة، وكلما زاد الفهم الحسى المعنوي المثالي وليس العقلي المنطقي فقط لحقيقة الخلق والوجود والغد والواقع في مقاربات ومقارنات مع النتائج والواقع الذي يضعنا فيه الذكاء المصنع، سنكون أكثر قابلية وقدرة على تحديد الهدف الذى نريد.. كلما استغرقت وقتا أكثر فى معرفة ما نريد وما يجب وما هو الذي لا يمكن أن نتعداه حتى مع أشد الحاجات له.. وهو بالتأكيد ما سيقرره العقل بقوة دفاعا عما يجب.. وستصبح انت الكائن العاقل المقرر الأساس إن استطعت جيدا أن تعرف ما الدور الذى ستلعبه فى الحياة وزال الكثير من قلقك..
إذا حتى لا ندخل في متاهات التنظير والكلام المتفائل والكلام الذي يزرع الشك والخوف من المستقبل، لا بد لنا أن نحدد ماذا يمكن أن يكون مستقبل العقل البشري والذكاء الطبيعي بمقابل جنون التكنلوجيا وأنفلات الذكاء المبرمج المسبق، وهناك جانبٌ حقيقيٌّ لبعض هذه المخاوف، فكل مرحلةٍ تكنولوجيةٍ عظيمةٍ تُحدِث تغيراتٍ ساحقةً في مجال القوى العاملة، وفي الماضي استجبنا للتغييرات الجديدة للثورة الصناعية بتطوير مهاراتنا وتغيير طبيعة حياتنا تغييراً جذرياً، وصبَّ ذلك لاحقا في مصلحتنا عندما تحول العمل اليدوي الشاق إلى عمل ألات مسيطر عليه وموجه من قبل العقل البشري فتوسع الأنتاج وقلت التكاليف وإداد الفائض الماي الذي غير من وجهة المجتمع ونمط معيشته، ولو فهمنا هذا التغير بمعنى بسيط كأمتلاك أحدنا مكيف هواءٍ في وسط الصيف قد لا يكون متاحا ولا ممكنا قبل الثورة الصناعية حتى عند المستويات الأعلى معيشيا في حينها، وفي ظل ما نشهده الآن من أثر حقيقي ليس على الإنسان ككائن فقط بل تحديدا على الإنسان كعقل، الإنسان صانع المعرفة ومنتجها الأساسي علينا أ نرسم من الآن صورة لذلك المستقبل ولو حتى نستعين بالذكاء الصناعي من أجل أن لا نكون أسرى اللا متوقع عقليا.