د. علاء مصطفي يكتب | كيف تُقتل الكفاءات داخل العمل السياسي؟
كم من شخص اجتهد واختفى أثره لأن لا أحد وثّق ما قام به؟ وكم من صاحب فكرة جيدة فقد حماسه لأن بيئة العمل غير عادلة أو غير منظمة؟ وكم من عناصر مميزة انسحبت بصمت لأنها شعرت أن الجهد لا يُقدَّر، وأن الحضور والغياب سواء؟
المشكلة الحقيقية في جزء كبير من العمل السياسي ليست نقص الكفاءات أو ضعف الحماس، بل غياب الإدارة والحوكمة. فحين تغيب القواعد الواضحة، وآليات التقييم العادلة، والمتابعة الحقيقية، يتحول العمل العام إلى اجتهادات فردية وانطباعات شخصية، لا إلى مؤسسة قادرة على التأثير والاستمرار.
ولهذا فإن كثيرًا من المشكلات اليومية داخل العمل السياسي هي في الأساس “مشكلات إدارية”. اجتماعات طويلة بلا قرارات واضحة، تكليفات بلا متابعة، تضارب أدوار، تكرار للأخطاء، وضياع للخبرات مع تغيير المسؤولين. وحتى بعض الخلافات الداخلية لا تكون سياسية بقدر ما هي نتيجة غياب التنظيم ووضوح المسؤوليات.
والأخطر أن غياب الإدارة لا يهدر وقت المؤسسات فقط، بل يهدر أيضًا حقوق ومجهود الأفراد أنفسهم. فالكثير من الطاقات والأفكار المميزة داخل العمل العام تفقد قيمتها بسبب غياب البيئة المنظمة والعادلة التي تحتضنها. قد يمتلك شخص رؤية قوية أو قدرة فكرية كبيرة، لكن دون مؤسسية حقيقية تضمن العدالة والتقدير والمتابعة، يتحول مجهوده إلى أثر محدود سرعان ما يختفي.
والحقيقة التي قد لا يحب البعض الاعتراف بها هي أن كثيرًا من الأشخاص لا يستمرون في الحضور أو المشاركة أو تنفيذ المهام طالما لا يوجد تقدير واضح، أو متابعة حقيقية، أو شعور بأن المجهود مرئي وله قيمة. فالناس بطبيعتها تحتاج إلى الشعور بالإنجاز والتقدير والعدالة، وعندما يتساوى المجتهد مع غير المشارك، تفقد المؤسسات تدريجيًا أكثر عناصرها كفاءة وحماسًا.
الإدارة والحوكمة ليستا رفاهية “شركات”، بل أدوات ضرورية لأي كيان سياسي يريد تحقيق أثر حقيقي. فالإدارة لا تصنع الموهبة، لكنها تحميها وتضمن استمراريتها. فالإدارة والحوكمة لا تصنعان صوتًا جميلًا لمغنٍ، لكنهما تضمنان استمرارية هذا الصوت وتحويله من موهبة عابرة إلى مشروع ناجح قادر على تحقيق أهدافه. ونفس الأمر في السياسة؛ فالكاريزما وحدها لا تبني مؤسسة، والحماس وحده لا يصنع تأثيرًا مستدامًا.
والأهم أن الإدارة والحوكمة لا تعنيان التركيز على “الكم” فقط، وإنما تأخذان في الاعتبار “الكيف” والجودة أيضًا. فليس المهم عدد الاجتماعات أو المبادرات أو البيانات الصادرة، وإنما جودة التأثير الحقيقي الناتج عنها. وليس النجاح في كثرة الأنشطة، بل في قدرتها على تحقيق نتائج واضحة ومستدامة.
لذلك فإن تطوير العمل السياسي لا يحتاج فقط إلى أفكار أو وجوه جديدة، بل يحتاج إلى ثقافة مؤسسية حقيقية تؤمن بأن الإدارة ليست أمرًا ثانويًا، وإنما الضمان الحقيقي لاحترام مجهود الناس، وتحقيق العدالة، وتحويل الحماس الفردي إلى أثر سياسي مستدام.