عماد حسب الطيب يكتب | تنظيم الممارسة لا تنظيم الحزب

0

في أوموفيا، كان الأوراكل يحتكر الوساطة بين الناس والآلهة. لم يكن بإمكان الفقير أن يفهم إرادة الآلهة بنفسه، ولا أن يتخذ قراراً جماعياً دون الرجوع إلى الكاهنة. هذه البنية العمودية هي ما جعل المجتمع هشاً: حين أُحلَّت المسيحية محل الأوراكل، لم يبقَ أي بديل تنظيمي من صنع الفقراء أنفسهم. لم تكن هناك لجان مقاومة، ولا شبكات تضامن أفقي، ولا هيئات تقرر مصيرها بنفسها. كان كل شيء يصعد إلى الأعلى ثم يهبط إلى الأسفل. حين انهار الأعلى، انهار كل شيء. السودان اليوم يملك فرصة لم تكن لأوموفيا: تجربة لجان المقاومة التي نشأت من تحت الأنقاض، والتي تعمل خارج الأوراكل القديم والجديد. لكن هذه اللجان لن تصمد إن بقيت إغاثية فقط، وإن ظلت محلية مفرطة، وإن لم تجد منهجاً مشتركاً يربطها أفقياً. الطليعة الشبكية التي نقترحها ليست حزباً طليعياً بالمعنى اللينيني الكلاسيكي، ولا شبكة عفوية بالمعنى الفوضوي، بل هي شكل ثالث ينمو من الممارسة اليومية، ويكسر الأوراكل ليس بإعلان الحرب عليه، بل بتقديم بديل عملي يجعله غير ذي موضوع.
تقوم الطليعة الشبكية على أربعة مبادئ، كل منها نقيض مباشر لآلية عمل الأوراكل. المبدأ الأول: وحدة العمل هي المجموعة المحلية لا الحزب. لجنة حارة، تجمع نازحين في معسكر، نقابة مهنة محددة، تعاونية زراعية، مجموعة نساء تدير مخيماً. هذه الوحدات تتخذ قراراتها باستقلالية تامة، ولا تنتظر إذناً من قيادة عليا لا وجود لها. هنا الفرق الجوهري عن الأوراكل: الأوراكل كان عمودياً، يوزع الأوامر من الأعلى إلى الأسفل. الطليعة الشبكية أفقية، تتشاور وتنسق لكن لا تأتمر. لكل لجنة حق الاختلاف، بل حق الخطأ، لأن الخطأ في تجربة محلية أقل كلفة من خطأ مركزي يصيب الجميع.
المبدأ الثاني: التنسيق الأفقي لا التوجيه العمودي. حين تتلاقى مصالح وحدتين، تنسقان مباشرة، دون الحاجة إلى مركز يوزع القرارات. لجنة في بورتسودان تريد تنسيق ممر إنساني مع لجنة في الفاشر، تتصل بها مباشرة، لا عبر “قيادة عليا للجان المقاومة” لا وجود لها. هذا هو ما يجعل التنظيم صامداً في ظروف الحرب: ضرب مركز لا يفكك الشبكة، لأن الشبكة لا تملك مركزاً. كل عقدة يمكن أن تُستبدل، وكل قائد يمكن أن يُغيّب، والشبكة تعيد تشكيل نفسها. الأوراكل كان ينهار بموت كاهنته أو فضح زيفها. الطليعة الشبكية لا تنهار بغياب أي فرد، لأنها ليست مبنية على أفراد بل على علاقات.
المبدأ الثالث: المنهج المشترك لا البرنامج الجامد. الأوراكل كان يملك برنامجاً جامداً: طقوس ثابتة، أوامر محددة، تفسيراً وحيداً للإرادة الإلهية. هذا يجعله هشاً أمام أي تغير في الواقع، لأنه عاجز عن التكيف. الطليعة الشبكية تتبنى منهجاً تحليلياً مشتركاً، ليس برنامجاً مفصلاً جامداً. هذا المنهج يسمح لكل وحدة محلية باتخاذ قرارها بنفسها، وفق ظروفها، مع بقائها منسجمة مع الآخرين. المنهج المشترك يحتاج ثلاثة عناصر فقط: تسمية العدو بدقة مادية (ليس “الجيش” ككتلة، ولا “الدعم السريع” كقبيلة، بل “النخبة المسلحة التي تتقاسم عائد الذهب وتُلقي بفقراء كل القبائل في القتال”)، والمطالب المادية الفورية (خبز، ماء، وقف إطلاق نار، ممرات إنسانية)، ومعيار بسيط للتقييم (هل هذا القرار يخدم الفقراء عبر حدود القبائل أم يعيد إنتاج الانقسام؟).
المبدأ الرابع: مركزية الأزمة مؤقتة لا دائمة. الأوراكل كان يطلب الولاء الدائم، والطاعة العمياء، والخضوع المستمر. الطليعة الشبكية تعترف بأن هناك لحظات تتطلب قراراً جماعياً سريعاً، حيث يكون التنسيق الأفقي البطيء غير كاف. في هذه اللحظات، تتنازل الوحدات مؤقتاً عن بعض استقلاليتها لصالح تنسيق أسرع، ثم تعود إلى الأفقية بعد انتهاء الأزمة. هذا يمنع تحول المركزية المؤقتة إلى بيروقراطية دائمة، وهو ما حدث مع كثير من الحركات الثورية حين حولت “المركزية الديمقراطية” إلى “مركزية القائد” فقط.
أما المثقف العضوي في هذه الطليعة الشبكية، فليس قائداً يوجه من فوق، بل وسيط يوثق التجارب وينظّر لها ويعيد توزيعها. دوره ليس الإملاء بل التوصيل. حين توثق لجنة في كسلا تجربتها في فتح ممر آمن، وتترجم إلى منهج يمكن تطبيقه في نيالا، وتنشره عبر شبكات اتصال آمنة، فإنها تبني وعياً مضاداً من الممارسة لا من الكتب. المثقف هنا ليس “طليعة تسبق القاعدة” بل “مرآة تعكس للقاعدة تجاربها وتجارب غيرها”. هذا الدور أقل بطولية لكنه أكثر إنتاجية، وأقل عرضة لتحويل المثقف إلى أوراكل جديد. لأنه لا يمنحه سلطة على أحد، بل يمنحه مسؤولية تجاه الجميع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.