د. محمد علي المليجي يكتب | مصر والحرب الإقليمية 

0

منذ اندلاع الحرب بالمنطقة، يتعجب كثيرون من تعاطف شريحة من المصريين مع الشأن الإيراني ووقوفهم بجانبه. ويبدو هذا التعاطف غريبًا للبعض، خاصة إذا ما نُظر إلى ما تمثله السياسة الإيرانية من غطرسة ومحاولات للتوسع والنفوذ في المنطقة، والسعي إلى تحقيق ما يصفه البعض بالحلم الفارسي القديم.
غير أن هذه الحسابات السياسية المعقدة لا تشغل بال المصري البسيط كثيرًا. فهو لا ينظر إلى المشهد من زاوية التوازنات الإقليمية أو الصراعات الجيوسياسية، بقدر ما ينظر إليه من زاوية تاريخ طويل من العداء مع الكيان الصهيوني. لذلك يتمنى كثيرون أن يروا نور الصواريخ الإيرانية مشعًّا في سماء الكيان موجة بعد موجة.
ترجع جذور هذا الشعور إلى ذاكرة تاريخية ممتدة، بدأت منذ حرب 1948، مرورًا بحرب 1956، ثم نكسة 1967، وانتصار 1973، وما تخلل تلك السنوات من حروب استنزاف وتضحيات جسيمة قدمها الجنود المصريون. ورغم أن معاهدة 1979 نجحت في إنهاء حالة الحرب رسميًا بين الدولتين، فإنها بقيت في نظر كثيرين معاهدة بين حكومات ودول، حققت هدفها في وقف القتال، لكنها لم تمحُ ما ترسخ في وجدان المصريين من ذكريات الفقد والتضحيات.
في كل بيت مصري تقريبًا حكاية عن شهيد أو جندي شارك في تلك الحروب، أو ذكرى عن سنوات القلق والخسارة. كما أن الأجيال الجديدة، التي لم تعاصر تلك الحروب، تشكل وعيها من خلال ما تراه من صور القتل واستباحة دماء المدنيين من إخواننا الفلسطينيين عبر موجات متعاقبة من الصراعات، وصولًا إلى ما جرى بعد أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من حرب قاسية، ثم اتفاقات لوقف القتال برعاية مصرية وعلى أعلى مستوى من القيادة السياسية.
أسهم كل ذلك في تشكيل موقف شعبي بسيط في منطقه، عاطفي في طبيعته، يختصره المثل الشعبي القائل: “عدو عدوي صديقي”. فالمصري العادي قد لا يضع في اعتباره تعقيدات السياسة الدولية أو مخاطر التوسع الإقليمي، بقدر ما تحكمه ذاكرة تاريخية طويلة ومشاعر متراكمة تشكلت عبر عقود من الصراع.
وهكذا يمكن فهم هذا التعاطف لا بوصفه تأييدًا كاملًا لسياسات إيران أو قبولًا بطموحاتها الإقليمية، بل باعتباره تعبيرًا عن وجدان شعبي ما زالت تؤثر فيه بقوة ذاكرة الصراع العربي الإسرائيلي، وما تركه من جراح عميقة في الوعي الجمعي للمصريين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.