قياتي عاشور يكتب | 30 يونيو.. انتفاضة الهوية
عندما نقرأ حدثاً بحجم ثورة الثلاثين من يونيو قراءة سوسيولوجية متأنية، ندرك يقيناً أنها لم تكن مجرد غضبة شعبية عابرة ضد أزمات اقتصادية أو ارتباك سياسي، بل كانت في جوهرها أعمق من ذلك بكثير. لقد كانت استجابة مناعية حاسمة لجسد المجتمع المصري ضد محاولة ممنهجة لتجريف “رأس ماله الثقافي” وتفكيك شفرته الحضارية التاريخية. فما حدث في ذلك العام الاستثنائي كان محاولة لفرض إطار أيديولوجي ضيق على أمة تميزت طوال تاريخها بالرحابة والتعددية، وهو ما دفع الوعي الجمعي المصري للانتفاض في لحظة فارقة، ليس فقط لإسقاط سلطة، بل لاسترداد روح الدولة المصرية التي كادت أن تغترب عن ذاتها.
إن الخطورة الحقيقية التي استشعرها المصريون حينها لم تقتصر على الفشل الإداري، بل تمثلت في التهديد المباشر للعقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بوطنه. فقد سعت الجماعة الحاكمة آنذاك إلى استبدال الانتماء الوطني الراسخ بانتماءات تنظيمية ضيقة، محاولة فرض نوع من “القبلية السياسية” على دولة ذات مؤسسات مركزية عريقة، مما خلق شرخاً سوسيولوجياً بين مؤسسات الدولة الوطنية والشعب. وهنا تجلت العبقرية المجتمعية المصرية؛ حيث تحركت الكتلة الصلبة للمجتمع، متجاوزة كافة التباينات الطبقية والعمرية، لتعلن رفضها القاطع لتقزيم مصر في مشروع فئوي إقصائي يعيد إنتاج العصبيات المغلقة على حساب فضاء المواطنة الواسع، وتثبت أن صلابة الهوية الوطنية قادرة على التمرد وإعادة ضبط البوصلة متى استشعرت خطراً يمس جيناتها الحضارية.
واليوم، ونحن نؤسس لدعائم الجمهورية الجديدة، يجب أن ننظر إلى الثلاثين من يونيو كمنهج عمل ومظلة وطنية مستمرة. فالانتقال من مرحلة الإنقاذ إلى مرحلة البناء تطلب جهداً استثنائياً لهندسة بيئة سياسية واجتماعية جديدة تستوعب طاقات الجميع. ولعل ميلاد كيانات شبابية وسياسية فاعلة، وما نشهده من حوار وطني مستمر، هو الترجمة الحقيقية لروح هذه الثورة؛ حيث يتم استبدال لغة الاستقطاب بلغة الحوار، وتوحيد الجهود نحو التنمية المستدامة، وبناء مؤسسات قادرة على استيعاب تطلعات الأجيال الجديدة دون إقصاء.
إن ثورة الثلاثين من يونيو لم تنتهِ بنزول الملايين إلى الميادين، بل هي مستمرة في كل مشروع تنموي، وفي كل نقاش سياسي يثري الحياة العامة، وفي كل محاولة لتمكين الشباب ودمجهم في صناعة القرار. إنها البداية الحقيقية لترميم البناء الاجتماعي المصري، وتأكيد على أن هذا الوطن يمتلك من المرونة والصلابة ما يجعله قادراً دائماً على لفظ كل من يحاول اختطاف إرادته، ليظل مستنداً إلى هويته الوطنية الجامعة، ومنطلقاً نحو مستقبل يشارك في صياغته كل أبنائه بثقة ووعي.