مرقس مدحت فخري يكتب | “تعفن الدماغ”.. الوباء الصامت

0

في زحام العالم الرقمي، حيث تتنافس مئات التطبيقات على كسر حاجز انتباهنا، تسلل إلينا مصطلح جديد لم يأتِ من أروقة المختبرات الطبية، بل من رحم المعاناة اليومية لملايين المستخدمين: “تعفن الدماغ” (Brain Rot).
هذا المصطلح، الذي بدأ كنكتة ساخرة بين المراهقين على منصات التواصل، تحول اليوم إلى تشخيص دقيق لآفة العصر الحديث. نحن أمام حالة جماعية من التآكل الإدراكي، حيث تُستبدل القدرة على التفكير العميق والتأمل، بشراهة لا نهائية لاستهلاك محتوى ترفيهي قصير، سريع، وفارغ من أي معنى.
لم يحدث “تعفن الدماغ” صدفة بل هو نتيجة هندسة سلوكية متعمدة تقودها خوارزميات الفيديوهات مثل “تيك توك”، و”ريلز”، و”شورتس”. تعتمد تلك الخوارزميات على تقديم مقاطع لا تتجاوز مدتها ثوانٍ معدودة، مصممة خصيصاً لضرب مراكز المكافأة في الدماغ، مما يفرز دفعات سريعة ومكثفة من هرمون “الدوبامين”. تماماً كما تفعل الوجبات السريعة بالجسد تمنحه طاقة مؤقتة وتتركه جائعاً ومفتقراً للتغذية الحقيقية  تفعل هذه المقاطع بعقولنا. ومع “التمرير اللانهائي” (Doom-Scrolling)، يدخل العقل في حالة من التخدير، حيث تمر الساعات دون أن يكتسب الإنسان معلومة مفيدة أو شعوراً حقيقياً، لينتهي به المطاف بشعور ثقيل بالضبابية والإنهاك الذهني؛ وهو بالضبط ما يصفه العلماء بـ “التعفن”.
فالانتباه هو العملة الأغلى في القرن الحادي والعشرين. حين نمنحه طواعية لمنصات لا تهتم سوى ببقائنا متصلين، فنحن لا نضيع وقتنا فحسب، بل نضيع قدرتنا على تشكيل وعينا الخاص. فلا يتطلب الأمر أن نلقي بهواتفنا في البحر ، بل يتطلب استعادة “السيادة الرقمية” على عقولنا. فالعقل البشري مرن، وكما يعتاد على التشتت، يمكن إعادة تدريبه على التركيز.
و الحل يبدأ بالوعي بان إدراك أن هذه الشاشات مصممة لاختراق انتباهنا. ثم يأتي دور الحدود الصارمة فيجب تحديد أوقات خالية تماماً من الشاشات (خاصة قبل النوم وفي الساعات الأولى من الصباح)، والعودة إلى الهوايات “البطيئة” التي تتطلب صبراً كالقراءة، والمشي، والتحدث المباشر مع الآخرين.
واخيرا “تعفن الدماغ” ليس قدراً محتوماً، بل هو ضريبة تسليم عقولنا لتقنيات لم تنضج بعد أخلاقيات استخدامها. لقد حان الوقت لنعامل عقولنا بالاحترام الذي تستحقه، وأن نختار بوعي ما نغذيه بها، قبل أن نستيقظ يوماً لنجد أننا فقدنا القدرة على التفكير بأنفسنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.