د.حسن هجرس يكتب | بين الفساد والحوكمة

0

يعد الفساد الإداري أحد أخطر التحديات التي تواجه جهود الدولة في البناء والتنمية، لأنه لا يستهلك الموارد فقط، بل يهدر ثقة المواطن ويعطل الاستثمار ويخلق شعورا عاما بأن الإنجاز لا يتحقق إلا بالواسطة أو النفوذ. ومع أن الدولة المصرية قطعت شوطا كبيرا في مواجهة هذه

 الظاهرة، فإن المعركة الحقيقية تبدأ من الإدارة المحلية؛ لأنها الأقرب إلى المواطن، وهي البوابة التي تمر من خلالها الخدمات اليومية، من استخراج الأوراق إلى تراخيص المحال إلى شكاوى المرافق.

إن الفساد الإداري ليس دائما ((جريمة كبيرة)) ، بل كثيرا ما يبدأ من ثغرات صغيرة: إجراء طويل بلا مبرر، موظف بلا رقابة، خطوة غير موثقة، غياب للشفافية، أو خدمة يتم تقديمها دون مؤشرات أداء واضحة. لذلك فإن مواجهته لا تحتاج إلى خطابات، بل تحتاج إلى منظومة عمل تضع المواطن

 في قلبها وتغلق أي باب قد يستغل ضد الدولة أو ضد حق المواطن.

ومن واقع التجربة التنفيذية، فإن أقوى سلاح ضد الفساد الإداري هو تبسيط الإجراءات ، لأن الروتين هو البيئة التي ينمو فيها الفساد . كل خطوة غير ضرورية، وكل توقيع زائد ، وكل مسار غير واضح، يمثل فرصة لابتزاز الوقت أو تعطيل الخدمة. ولهذا فإن إعادة هندسة الإجراءات داخل

 الإدارات المحلية ، وتوحيد المسارات، وربطها بالتحول الرقمي ، يقلل الاحتكاك المباشر ويحاصر الفساد دون صخب.

ولا تقل أهمية الرقابة الميدانية عن تبسيط الإجراءات؛ فالمتابعة ليست فقط لضبط المخالفات، بل هي وسيلة لتحسين الأداء ومنع تكرار الأخطاء. والرقابة الفعالة تبدأ بوجود قيادة قادرة على إدارة العمليات اليومية بمؤشرات قياس واضحة: زمن الخدمة، عدد الطلبات، نسب الإنجاز،

 شكاوى المواطنين، وتقييم رضا المتعاملين. وعندما تصبح الإدارة المحلية مؤسسة تحاسب بالأرقام، يتحول الموظف من صاحب سلطة إلى جزء من منظومة تقيم وتحاسب.

كما أن مكافحة الفساد لا تكتمل بدون ثقافة مؤسسية تؤمن بأن الموظف العام هو خادم للمواطن، وأن كرامة المواطن جزء أصيل من كرامة الدولة. لذلك فإن تدريب الكوادر، وتحفيز الملتزمين، ومحاسبة المقصرين، وتطبيق قاعدة “الثواب والعقاب” بعدالة ، هو الطريق الحقيقي لإصلاح الجهاز

 الإداري.

إن بناء دولة حديثة لا يقوم على مشروعات كبيرة فقط، بل يقوم على جهاز إداري نظيف وفعال يحترم الوقت، ويحقق العدالة، ويؤمن أن النزاهة ليست خيارا، بل واجب. وعندما ننتصر على الفساد الإداري من خلال الحوكمة والشفافية والرقابة، نكون قد انتصر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.