د.نانيس حامد تكتب | مصر والوساطة الإقليمية
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتحرك مصر بخطى محسوبة لتثبيت موقعها كأحد أبرز الفاعلين في ملفات التهدئة بالمنطقة. من غزة إلى دوائر التوتر الأوسع، يبدو أن الدولة المصرية تعيد توظيف خبراتها الدبلوماسية لتأكيد حضورها كوسيط لا غنى عنه في معادلات الاستقرار.هذا التحرك الخارجي لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الدولي، حيث تتزايد الحاجة إلى أطراف تمتلك قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف القوى. وهنا، تقدم مصر نفسها كطرف قادر على الجمع بين التوازن السياسي والخبرة التاريخية، وهو ما يمنحها مساحة مناورة أوسع مقارنة بغيرها.لكن، وعلى الجانب الآخر، يفرض المشهد الداخلي نفسه بقوة على أي قراءة موضوعية. فبينما تسعى الدولة إلى تعزيز صورتها الخارجية وجذب مزيد من الشراكات والاستثمارات، تظل تساؤلات الإصلاح السياسي مطروحة، ليس فقط من قبل المنظمات الدولية، بل من قطاعات داخلية تتطلع إلى مساحات أوسع من المشاركة والتعبير. فقوة أي دور خارجي لا تُقاس فقط بمدى تأثيره في الإقليم، بل بمدى استناده إلى جبهة داخلية متماسكة ومتوازنة. فالدبلوماسية الناجحة تحتاج إلى عمق داخلي يدعمها، لا أن يسير المساران في اتجاهين منفصلين.من هذا المنطلق، قد تكون اللحظة الراهنة فرصة حقيقية أمام صانع القرار المصري لإعادة صياغة العلاقة بين الداخل والخارج؛ بحيث لا يظل النجاح الخارجي معلقًا في فراغ، بل مدعومًا بإصلاحات تدريجية تعزز الثقة وتوسّع من قاعدة الاستقرار.في النهاية، تبدو مصر أمام معادلة دقيقة:تعظيم دورها الإقليمي من جهة، وبناء توازن داخلي أكثر مرونة من جهة أخرى. وهي معادلة، إن أُديرت بذكاء، قد تفتح الباب أمام مرحلة أكثر رسوخًا في الحضور والتأثير.