د. جمال السعيد يكتب | أول دفعة، وأول ثمار الاستثمار في الإنسان
يخطئ من يظن أن تخريج أول دفعة من جامعة ناشئة هو مجرد مناسبة احتفالية أو إنجاز إداري يضاف إلى سجل المؤسسة. فهذه لحظة تتجاوز كونها حدثًا عابرًا، لتصبح اختبارًا حقيقيًا لمدى نجاح فكرة بأكملها. ومن هذا المنطلق، فإن تخريج أول دفعة من جامعة بنها الأهلية لا يمثل نهاية مرحلة دراسية، بقدر ما يمثل بداية لتأكيد عملي وحقيقي لنجاح الدولة في بناء نموذج جامعي مختلف.
لقد جاء التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية استجابة لتحولات عميقة يشهدها العالم. فالاقتصادات الحديثة لم تعد تقاس بحجم الموارد الطبيعية، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية. وأصبحت الجامعات مطالبة بأداء دور يتجاوز منح الشهادات الأكاديمية، ليشمل إعداد خريجين يمتلكون القدرة على التفكير النقدي، والابتكار، وريادة الأعمال، والعمل في بيئات متغيرة لا تعترف إلا بالكفاءة.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للجامعات الأهلية لا تكمن في زيادة الطاقة الاستيعابية للتعليم الجامعي، وإنما في تقديم فلسفة تعليمية مختلفة؛ فلسفة تقوم على التكامل بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، وعلى ربط البرامج الأكاديمية باحتياجات الاقتصاد الوطني وسوق العمل، وعلى بناء شراكات مع الصناعة والمجتمع، بما يجعل الجامعة منتجًا للمعرفة، لا مجرد ناقل لها.
ولعل تخريج أول دفعة من جامعة بنها الأهلية يمثل أول اختبار عملي لهذه الفلسفة. فقد ضمت الدفعة 288 خريجًا من ثلاث كليات وستة برامج أكاديمية، صُممت وفق احتياجات التنمية، وبما يعكس توجهًا واضحًا نحو التخصصات المستقبلية، والتحول الرقمي، والابتكار، وريادة الأعمال. وهذه ليست مجرد أرقام، وإنما مؤشر على أن الجامعة بدأت تؤدي الدور الذي أنشئت من أجله.
لكن الحقيقة التي ينبغي التأكيد عليها هي أن نجاح الجامعات لا يقاس بعدد الخريجين، وإنما بنوعية الخريج. فالجامعة الناجحة ليست تلك التي تمنح عشرات الآلاف من الشهادات سنويًا بالضرورة، بل التي تخرج شبابًا قادرين على المنافسة، وصناعة فرص العمل، والإسهام في التنمية، ومواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة.
ومن زاوية أخرى، فإن أبناء الدفعة الأولى من جامعة بنها الأهلية يحملون خصوصية لا تتكرر. فهم لم يلتحقوا بجامعة لها تاريخ طويل، بل اختاروا أن يكونوا جزءًا من مشروع في بدايته. كانوا شركاء في التأسيس، وأسهموا في تشكيل ثقافة الجامعة وهويتها، وتحملوا مسؤولية إثبات نجاح هذا النموذج الجديد. ولهذا، فإن نجاحهم هو في الوقت نفسه نجاح لفكرة الجامعات الأهلية ذاتها.
غير أن هذا النجاح لا ينبغي أن يدفعنا إلى الاكتفاء بما تحقق، وإنما هي بداية لرحلة الخريجين لإثبات كفاءتهم في سوق العمل، ومدى إسهامهم في دعم الاقتصاد الوطني، وتحويل المعرفة إلى إنتاج وابتكار.
لقد اختارت الدولة المصرية بشجاعة وذكاء أن تجعل الاستثمار في الإنسان محورًا رئيسيًا لمشروعها التنموي، وكان إنشاء الجامعات الأهلية أحد أهم تجليات هذه الرؤية. واليوم، ومع تخريج أول دفعة من جامعة بنها الأهلية، يمكن القول إننا بدأنا نجني أولى ثمار هذا الاستثمار، هذه الثمار التي سوف تكتمل عندما نرى كل خريج وقد أصبح قيمة مضافة لوطنه.
فالتعليم، في نهاية المطاف، لا يقاس بعدد سنوات الدراسة، وإنما بقدرته على صناعة الإنسان. والإنسان المؤهل هو الاستثمار الوحيد الذي لا تنخفض قيمته بمرور الزمن، بل تتضاعف عوائده كلما أحسن المجتمع توظيفه. وهذا هو الرهان الحقيقي الذي يجب أن تبقى الجامعات الأهلية حريصة على كسبه عامًا بعد عام.