د. عبدالله عيسى الشريف يكتب | فهم العقل الاستراتيجي المصري

0

تتصف الدولة المصرية بأنها فريدة من الناحيتين الجيوسياسية والتاريخية؛ لأنها تستمد هذه السمات من بنية هيكلية صلبة وراسخة حضاريًا لآلاف السنين، جعلت منها نموذجًا استثنائيًا لما يُعرف بالدولة المركزية. ولم تكن هذه المركزية مجرد خيار إداري يمكن استبداله بالنماذج اللامركزية المتعارف عليها، بل كانت ضرورة وجودية فرضتها جغرافيا الوادي وشريان النيل، وامتداد الحضارة على جانبي هذا الشريان من أقصى الجنوب إلى الشمال، بما طبع العقل السياسي المصري بطابع التماسك المؤسسي، والقدرة على ضبط الإيقاع الإقليمي مهما بلغت حدة الاضطرابات في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم تعقيدًا.

ويتجلى العمق الحضاري والمؤسسي للدولة المصرية في كفاءتها في إدارة الأزمات من خلال عدة مرتكزات استراتيجية؛ أولها تغليب الصبر الاستراتيجي والدبلوماسية الهادئة، فلا تتخذ الدولة قراراتها تحت ضغط الانفعال الفوري أو الاستقطاب الإعلامي أو التشنج الشعبي، وإنما تعتمد مبدأ النفس الطويل، وامتصاص الصدمة الأولى للأزمة، ثم بناء الموقف على المعلومات والتقدير الدقيق، بما يحفظ الأمن القومي ويجنب البلاد الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة.

أما المرتكز الثاني فينطلق من عقيدة الاتزان ومنع الانهيار، حيث يقوم الفكر السياسي المصري على رؤية راسخة تعتبر أن الاستقرار هو حجر الزاوية للأمن الإقليمي. لذلك تميل الدولة إلى دعم الحلول السياسية المستدامة، والحفاظ على مؤسسات الدول الوطنية، وتجنب تغذية الفوضى أو الرهان على الفاعلين من غير الدول، في ظل ما يشهده الإقليم من تنامي ظاهرة الميليشيات المسلحة وتراجع سلطة الدولة في بعض المناطق.

ويبرز المرتكز الثالث في مرونة مؤسسات الدولة وصلابة بنيتها المؤسسية. فالأزمات الكبرى لا تُدار بردود فعل آنية، وإنما من خلال دوائر صنع قرار تمتلك القدرة على الموازنة بين سرعة الاستجابة ودقة التقدير، فتتعامل مع الوقائع وفق ما يتوافر من معلومات مؤكدة، مع ترك مساحة كافية للتحقق واستكمال الصورة قبل بناء المواقف النهائية أو إصدار التقديرات الحاسمة.

وقد برز هذا النهج بوضوح في التعامل الرسمي مع الوقائع الأخيرة، حيث اتسم الخطاب الرسمي بالتدرج والانضباط؛ فاقتصر في بدايته على عرض الوقائع المؤكدة والإجراءات الجارية، دون التسرع في تبني تفسيرات أو إطلاق استنتاجات قبل اكتمال المتابعة الفنية والمؤسسية. ثم تتابعت المواقف الرسمية بصورة تعكس تطور المعلومات وتكاملها، بما حافظ على المصداقية، وأكد أن إدارة الأزمات لا تقوم على مجاراة سرعة تداول الأخبار، وإنما على بناء موقف متماسك يستند إلى الحقائق.

ويكشف هذا الأسلوب عن وعي مؤسسي بطبيعة الأزمات المركبة، إذ يفرق بين إدارة الحدث وإدارة الخطاب المصاحب له، ويمنح المؤسسات المختصة الوقت الكافي للقيام بواجبها، بعيدًا عن ضغوط الانفعال أو المزايدات الإعلامية. كما يعكس إدراكًا بأن المعلومة الدقيقة في مثل هذه الظروف تمثل عنصرًا من عناصر الأمن القومي، وأن الحفاظ على الثقة في مؤسسات الدولة لا يقل أهمية عن إدارة الأزمة ذاتها.

وعليه؛ فإن قراءة آليات إدارة الدولة المصرية للأزمات تؤكد أن مصر ليست مجرد لاعب إقليمي، بل تمثل أحد أهم عوامل الاستقرار في محيطها، مستندة إلى مركزية القرار، وعمق الخبرة التاريخية، ورجاحة الخيارات الاستراتيجية، وقدرتها على الجمع بين إدارة الموقف الآني، والحسابات التكتيكية، والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. وهذا المزيج في أدوات الحركة يجعلها أكثر قدرة على الحفاظ على توازنها الداخلي، والمساهمة في استقرار محيطها الإقليمي، وصون مصالحها الوطنية العليا في بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.