شنودة سعد يكتب | الخوارزميات… الحاكم الذي لم ينتخبه أحد

0

لم تعد السلطة في عصرنا تُمارس بالطريقة التي عرفها التاريخ ففي الماضي كانت السلطة واضحة المعالم حكومة تصدر القوانين ومؤسسات تنفذها، ووسائل إعلام تنقلها وكان المواطن يعرف من يتخذ القرار، ومن يتحمل مسؤوليته.

أما اليوم، فقد ظهرت سلطة جديدة لا تملك مقرًا رسميًا ولا تحمل علمًا ولا يترشح قادتها في الانتخابات  ومع ذلك تمارس تأثيرًا يوميًا على مليارات البشر.

إنها الخوارزميات.

قد تبدو للوهلة الأولى مجرد معادلات برمجية تنظم المحتوى على منصات التواصل ومحركات البحث لكنها في الواقع أصبحت تشارك في تشكيل ما نراه وما نقرأه  وما نناقشه وأحيانًا حتى ما نؤمن به.

والسؤال الحقيقي ليس: كيف تعمل الخوارزميات؟

بل:

كيف أصبح تأثيرها بهذا الاتساع دون أن يشعر معظم الناس؟

لقد اعتدنا أن نفهم السلطة باعتبارها القدرة على إصدار الأوامر لكن العصر الرقمي كشف عن نوع آخر من السلطة؛ سلطة لا تأمرك بشيء بل تؤثر في البيئة التي تتخذ فيها قراراتك.

فالإنسان لا يصنع قناعاته من فراغ وإنما يبنيها من المعلومات التي تصل إليه وإذا كانت هناك منظومة تحدد باستمرار ما يظهر أمامه وما يختفي عنه فهي لا تسلبه حرية الاختيار مباشرة، لكنها تؤثر في المادة الخام التي يُبنى عليها هذا الاختيار.

وهنا تكمن المفارقة.

فالخوارزمية لا تقول لك: “فكر بهذه الطريقة.”

بل تجعل بعض الأفكار حاضرة أمامك باستمرار بينما تجعل أفكارًا أخرى بعيدة عن مجال رؤيتك.

ومع مرور الوقت  لا يتغير ما تراه فقط، بل قد يتغير تصورك لما هو طبيعي وما هو شائع، وما يستحق الاهتمام.

لهذا لم يعد التنافس الحقيقي في العصر الرقمي على امتلاك المعلومات بل على امتلاك الانتباه.

فالانتباه هو البوابة التي تعبر منها الأفكار، ومن ينجح في السيطرة على الانتباه يمتلك قدرة كبيرة على التأثير في السلوك والقرارات والاتجاهات العامة.

لكن سيكون من الخطأ أن نحمل الخوارزميات وحدها المسؤولية.

فالخوارزمية ليست كائنًا يملك نوايا أو قناعات، بل هي انعكاس للأهداف التي صُممت من أجلها وللسلوك الذي يكافئه المستخدمون أنفسهم. فإذا كان المحتوى المثير للغضب يجذب تفاعلًا أكبر، فإن الخوارزمية ستمنحه انتشارًا أوسع. وإذا كان المحتوى الرصين يحظى باهتمام أكبر فستمنحه المساحة ذاتها.

وهذا يعني أن السؤال لم يعد يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل بالمجتمع أيضًا.

فالمشكلة ليست في وجود خوارزميات بل في نوع الثقافة التي نكافئها كل يوم بضغطة إعجاب  أو مشاركة أو دقيقة إضافية نقضيها أمام الشاشة.

لقد اعتدنا أن نقيس السلطة بعدد الجنود، أو حجم الاقتصاد أو قوة المؤسسات. لكن القرن الحادي والعشرين يفرض معيارًا جديدًا: القدرة على توجيه الانتباه.

فمن يحدد ما يلفت انتباه ملايين البشر يشارك – بدرجات متفاوتة – في تشكيل أولوياتهم ومخاوفهم، ونقاشاتهم، وربما مستقبلهم.

لذلك، فإن القضية ليست أن نستبدل الثقة بالتقنية، أو أن نخشى التطور بل أن ندرك أن الحرية في العصر الرقمي لم تعد تعني فقط حرية التعبير وإنما تعني أيضًا حرية الوصول إلى رؤية متوازنة للعالم لا تحددها خوارزمية وحدها ولا عاطفة عابرة، ولا تفاعل لحظي.

ويبقى السؤال مفتوحًا:

إذا كانت الخوارزميات أصبحت تؤثر في ما نراه، فهل يكفي أن نطالبها بالمزيد من الشفافية؟ أم أن التحدي الأكبر هو أن نحافظ نحن على قدرتنا على التفكير النقدي، حتى لا يتحول ما نراه إلى كل ما نعرفه؟

إذا كانت الخوارزميات قد أصبحت قادرة على توجيه انتباهنا فالسؤال التالي يصبح أكثر خطورة:

هل ما زلنا نملك أفكارنا… أم أصبحنا نستهلك أفكارًا صُممت لنا؟

هذا ما سأناقشه في المقال القادم:

«هل نملك أفكارنا… أم نستهلك أفكار غيرنا؟»

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.