محمد نبيل يكتب | تراثنا غير المادي في اليونسكو

0

من عنصر واحد الى احد عشر عنصرا كيف تحول التراث غير المادي المصري الى قصة نجاح دولية

عندما يجري الحديث عن الانجازات الوطنية غالبا ما تتجه الانظار الى الاقتصاد والبنية التحتية والمشروعات الكبرى لكن هناك جانبا اخر لا يقل اهمية وهو حماية الهوية الثقافية المصرية وتقديمها للعالم باعتبارها جزءا من القوة الناعمة للدولة وذاكرتها الحضارية الممتدة لالاف السنين

ومن بين المؤشرات الواضحة التي يمكن قياسها بالارقام ما تحقق في ملف التراث الثقافي غير المادي المسجل لدى منظمة اليونسكو وهو الملف الذي شهد تطورا ملحوظا خلال السنوات الاخيرة مقارنة بما كان عليه الوضع خلال العقود السابقة

فالتراث غير المادي لا يقتصر على المباني الاثرية او المعابد التاريخية بل يشمل الحرف التقليدية والفنون الشعبية والعادات الاجتماعية والاحتفالات والموسيقى والحكايات والمهارات المتوارثة التي تشكل جزءا من الشخصية الوطنية للشعوب

وعند النظر الى الارقام نجد ان مصر دخلت عام 2014 ولديها عنصر واحد فقط مسجل على قوائم التراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو وهو السيرة الهلالية التي تم تسجيلها عام 2008 خلال عهد الرئيس الاسبق محمد حسني مبارك

وبذلك فإن حصيلة ما يقرب من ثلاثة عقود من حكم مبارك بلغت عنصرا واحدا فقط على قوائم التراث غير المادي لليونسكو

اما خلال الفترة من عام 2014 وحتى عام 2025 فقد نجحت مصر في تسجيل عشرة عناصر جديدة وهو ما رفع اجمالي العناصر المصرية المسجلة الى احد عشر عنصرا اي ان عدد العناصر المسجلة زاد بمعدل يفوق عشرة اضعاف ما كان عليه قبل عام 2014

وشملت هذه العناصر التحطيب عام 2016 وهو احد الفنون القتالية والتراثية في صعيد مصر ثم الاراجوز المصري عام 2018 باعتباره رمزا من رموز المسرح الشعبي المصري

وفي عام 2020 تم تسجيل النسيج اليدوي في صعيد مصر ضمن قائمة الصون العاجل ثم جاء تسجيل الخط العربي عام 2021 ضمن ملف عربي مشترك يعكس القيمة الحضارية والفنية للغة العربية

وشهد عام 2022 تسجيل عنصرين جديدين هما المهرجانات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر والنخلة بما تحمله من معارف ومهارات وممارسات اجتماعية واقتصادية متوارثة

وفي عام 2023 تم تسجيل الفنون والمهارات المرتبطة بالنقش على المعادن التقليدية بينما شهد عام 2024 تسجيل الحناء والسمسمية وهي الالة الموسيقية الشهيرة في مدن القناة والتي تعد جزءا اصيلا من التراث الشعبي المصري

كما استمر الزخم المصري في هذا الملف خلال عام 2025 مع تسجيل الكشري المصري بوصفه ممارسة اجتماعية وثقافية تعكس جانبا من الحياة اليومية للمجتمع المصري

ولا تكمن اهمية هذه الارقام في بعدها الاحصائي فقط بل في دلالاتها الثقافية والسياسية ايضا فكل عنصر يتم تسجيله يعني اعترافا دوليا بقيمته الانسانية ويعني كذلك توفير مظلة دولية لحمايته من الاندثار وتشجيع نقل معارفه ومهاراته الى الاجيال الجديدة

كما يسهم هذا الاعتراف في تعزيز صورة مصر الثقافية عالميا ويدعم قطاعات السياحة والصناعات الابداعية والحرف التقليدية ويمنح المجتمعات المحلية شعورا بالفخر والاعتزاز بتراثها

ومن زاوية المقارنة التاريخية فإن الانتقال من عنصر واحد مسجل قبل عام 2014 الى احد عشر عنصرا خلال العقد التالي يمثل تحولا واضحا في طريقة التعامل مع ملف التراث غير المادي ويعكس اهتماما مؤسسيا اكبر بالتوثيق والتسجيل الدولي والعمل المشترك بين الجهات الثقافية المصرية والمنظمات الدولية

ولا يعني ذلك التقليل من قيمة ما تحقق في الفترات السابقة فمصر كانت دائما تمتلك تراثا غنيا واستثنائيا لكن الفارق يكمن في حجم الجهد المبذول لتحويل هذا التراث من رصيد ثقافي محلي الى عناصر معترف بها عالميا على قوائم اليونسكو

ولهذا يمكن اعتبار التوسع في تسجيل التراث الثقافي غير المادي واحدا من النجاحات البارزة في مجال القوة الناعمة المصرية خلال عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي حيث تحولت مصر من دولة تمتلك عنصرا واحدا مسجلا الى دولة تمتلك احد عشر عنصرا معترفا بها دوليا وهو إنجاز يعكس حضورا ثقافيا متناميا ويؤكد ان حماية الهوية لا تقل اهمية عن بناء الطرق والمصانع والمدن الجديدة لأن الامم تبنى بالحجر كما تبنى بالذاكرة والثقافة والانسان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.