مصطفى الحداد يكتب | المحليات.. فرصة المستقبل ومسؤولية التأهيل
تمثل انتخابات المجالس المحلية المقبلة واحدة من أهم المحطات السياسية في الدولة المصرية، ليس فقط
لأنها تعيد الحياة إلى أحد أهم الاستحقاقات الدستورية، وإنما لأنها تفتح الباب أمام جيل جديد من القيادات
القادرة على المشاركة في صناعة القرار المحلي وتحقيق التنمية المستدامة.
لقد أثبتت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية إيمانها بقدرات الشباب، وسعت إلى إتاحة الفرص
أمامهم في مختلف المجالات، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الشباب هم الطاقة الحقيقية للدولة، والمحرك
الأساسي لعجلة التنمية، وعمود الخيمة الذي تستند إليه الجمهورية الجديدة في حاضرها ومستقبلها.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة المقبلة تستوجب الدفع بالشباب إلى مواقع المسؤولية داخل المجالس
المحلية بنسب تعكس حجمهم الحقيقي في المجتمع، مع مراعاة التوزيع الجغرافي، والنوع الاجتماعي،
وخصوصية كل محافظة ومركز وقرية، بما يضمن تمثيلًا يعبر عن الواقع المصري بكل تنوعه.
غير أن تمكين الشباب لا ينبغي أن يكون مجرد تحقيق لنسب أو أرقام، وإنما يجب أن يكون تمكينًا حقيقيًا
ومستقلًا ونزيهًا، قائمًا على الكفاءة والقدرة والاستحقاق. فالهدف ليس شغل المقاعد، وإنما صناعة قيادات
محلية تمتلك الرؤية والوعي والقدرة على الرقابة والتشريع المحلي والمشاركة في حل مشكلات
المواطنين.
وفي الوقت ذاته، فإن تمكين الشباب لا يعني إقصاء أصحاب الخبرات، بل إن نجاح التجربة يتطلب تحقيق
التوازن بين حماس الشباب وحكمة الشيوخ. فالأوطان تُبنى عندما تتكامل طاقة الشباب مع خبرة الكبار،
فتتولد منظومة قادرة على اتخاذ القرار الرشيد، تجمع بين الجرأة في الطرح والحكمة في التنفيذ.
وقبل الحديث عن تمكين الشباب، يجب أن نطرح سؤالًا أكثر أهمية: هل من يتم تمكينه مؤهل بالفعل لتحمل
المسؤولية ؟
فالتمكين مسؤولية قبل أن يكون حقًا، ولا يجوز أن يتحول إلى مجرد شعار سياسي أو وسيلة لإرضاء فئة
معينة. فالشاب الذي سيتولى مسؤولية عامة، أو يشارك في صنع القرار، ينبغي أن يمتلك الحد الأدنى من
التأهيل السياسي والقانوني والإداري، وأن يكون مدركًا لطبيعة الدور المنوط به، وواعيًا بالتحديات التي
تواجه الدولة والمجتمع.
إن أخطر ما قد تواجهه أي تجربة هو أن نجد أنفسنا أمام مقاعد يشغلها شباب وصلوا إليها دون إعداد
حقيقي، فتكون المقاعد موجودة، لكن أثرها غائب، وتصبح المشاركة شكلية لا تضيف شيئًا لمسيرة
التنمية. فالمقاعد لا يصنعها العمر، وإنما تصنعها الكفاءة، والخبرة، والقدرة على الإنجاز.
ولهذا، فإن التأهيل يجب أن يسبق التمكين، وأن يكون جزءًا أصيلًا من أي رؤية وطنية لإعداد القيادات.
ويشمل ذلك التدريب على الإدارة المحلية، والقوانين المنظمة لعمل المجالس، وآليات الرقابة، وإعداد
الموازنات، والتواصل مع المواطنين، وإدارة الأزمات، حتى يكون عضو المجلس المحلي قادرًا على أداء
دوره بكفاءة منذ اليوم الأول.
وهذا المبدأ لا يقتصر على المحليات وحدها، بل يجب أن يمتد إلى جميع مواقع المسؤولية، سواء كانت
تنفيذية أو تشريعية أو إدارية. فكل من يتولى منصبًا عامًا أو يمتلك سلطة اتخاذ القرار، ينبغي أن يكون
مؤهلًا علميًا وعمليًا وأخلاقيًا، لأن جودة القرار ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة من يصنعه.
إن الجمهورية الجديدة التي تتطلع إليها الدولة المصرية تقوم على بناء الإنسان قبل بناء المؤسسات، وعلى
الاستثمار في الكفاءات قبل توزيع المناصب. ومن هنا، فإن النجاح الحقيقي لانتخابات المحليات لن يقاس
بعدد الشباب الذين يصلون إلى المقاعد، وإنما بقدرتهم على صناعة الفارق، وخدمة المواطنين، وتحقيق
التنمية، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.
ومع اقتراب هذا الاستحقاق الوطني، يبقى الأمل أن نشهد مجالس محلية تجمع بين شباب مؤهل يمتلك
الطموح والرؤية، وخبرات وطنية تمتلك الحكمة والتجربة، ليصبح هذا التكامل نموذجًا يعكس قوة الدولة
المصرية، ويؤسس لقيادات قادرة على حمل مسؤولية المستقبل، فتمكين الشباب ليس غاية في ذاته، وإنما
هو وسيلة لبناء وطن أقوى، عندما يقترن بالتأهيل والكفاءة والاستحقاق.