محمد سامح حسونة يكتب | الاقتصاد الأخضر أولًا
لم يعد الحديث عن الاقتصاد الأخضر ترفًا فكريًا أو شعارًا بيئيًا تتداوله المؤتمرات الدولية، بل أصبح أحد أبرز المسارات التي تتبناها الدول لمواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية في آن واحد. ففي ظل التغيرات المناخية المتسارعة، واستنزاف الموارد الطبيعية، وارتفاع معدلات التلوث، برز الاقتصاد الأخضر باعتباره نموذجًا تنمويًا يحقق النمو الاقتصادي، ويخلق فرص عمل، ويحافظ على البيئة، دون المساس بحقوق الأجيال القادمة.ويُعرّف برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) الاقتصاد الأخضر بأنه «الاقتصاد الذي يؤدي إلى تحسين رفاه الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية، مع الحد بصورة ملحوظة من المخاطر البيئية والندرة الإيكولوجية». ويعتمد هذا النموذج على الاستثمار في الطاقة المتجددة، والنقل المستدام، والزراعة الذكية، والإدارة الرشيدة للمياه، وإعادة التدوير، والتكنولوجيا النظيفة، بما يحقق توازنًا بين التنمية الاقتصادية وحماية الموارد الطبيعية.وتؤكد الأرقام أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر لم يعد خيارًا، بل ضرورة اقتصادية. فوفقًا لتقرير الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، تجاوز حجم الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة 2 تريليون دولار أمريكي خلال عام 2024 لأول مرة في التاريخ، متجاوزًا الاستثمارات الموجهة للوقود الأحفوري. ويعكس هذا التحول قناعة متزايدة لدى الحكومات والمستثمرين بأن مستقبل الاقتصاد العالمي يرتبط بالاستدامة أكثر من اعتماده على الموارد التقليدية.وفي سوق العمل، تشير تقديرات منظمة العمل الدولية (ILO) إلى أن التحول إلى الاقتصاد الأخضر يمكن أن يوفر 24 مليون فرصة عمل جديدة بحلول عام 2030، في قطاعات مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وإدارة المخلفات، وكفاءة استخدام الطاقة، والزراعة المستدامة، والبناء الأخضر. وفي المقابل، قد تختفي بعض الوظائف التقليدية، إلا أن المكاسب الصافية ستكون إيجابية إذا رافق هذا التحول تطوير للمهارات وتأهيل للقوى العاملة.أما على الصعيد البيئي، فتشير بيانات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن الأنشطة البشرية مسؤولة عن معظم الزيادة في انبعاثات الغازات الدفيئة، وأن متوسط درجة حرارة الأرض ارتفع بنحو 1.1 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو ما أدى إلى زيادة موجات الحر، وحرائق الغابات، والفيضانات، والجفاف في مناطق عديدة من العالم. وتُحذر التقارير الدولية من أن تأخير التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون سيؤدي إلى خسائر اقتصادية واجتماعية أكبر بكثير من تكلفة التحول نفسها.وفي مصر، قطعت الدولة خطوات متقدمة في هذا المسار من خلال رؤية مصر 2030، التي جعلت الاستدامة محورًا رئيسيًا للتنمية. وشهدت السنوات الأخيرة توسعًا في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، وفي مقدمتها مجمع بنبان للطاقة الشمسية بمحافظة أسوان، الذي يُعد أحد أكبر المجمعات الشمسية في العالم بقدرة إنتاجية تقارب 1.5 جيجاوات، ويوفر الكهرباء النظيفة لمئات الآلاف من المنازل، فضلًا عن دوره في خفض الانبعاثات الكربونية وجذب الاستثمارات الأجنبية.كما اتجهت الدولة إلى التوسع في وسائل النقل المستدام، مثل القطار الكهربائي والمونوريل، وتشجيع إنتاج الهيدروجين الأخضر، وإصدار أول سندات خضراء سيادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عام 2020، بهدف تمويل المشروعات الصديقة للبيئة. وتؤكد هذه الخطوات أن الاقتصاد الأخضر أصبح جزءًا من استراتيجية التنمية الاقتصادية، وليس مجرد توجه بيئي.ورغم هذه الجهود، لا يزال تحقيق التحول الأخضر يواجه تحديات، أبرزها ارتفاع تكلفة التقنيات الحديثة، والحاجة إلى تمويل مستدام، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر البشرية، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي بأهمية ترشيد استهلاك الموارد وتغيير أنماط الإنتاج والاستهلاك. فنجاح الاقتصاد الأخضر لا يعتمد على السياسات الحكومية وحدها، بل يتطلب مشاركة فعالة من القطاع الخاص، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني، والأفراد.إن الاقتصاد الأخضر لم يعد رؤية للمستقبل، بل واقعًا يتشكل اليوم. والدول التي تستثمر في الطاقة النظيفة، والابتكار، وكفاءة الموارد، هي الأكثر قدرة على تحقيق نمو اقتصادي مستدام وتعزيز قدرتها التنافسية عالميًا. وفي عالم تتزايد فيه التحديات البيئية والاقتصادية، يصبح الاقتصاد الأخضر ليس مجرد بديل، وإنما ركيزة أساسية لبناء مستقبل أكثر ازدهارًا وعدالة للأجيال الحالية والقادمة.