يوسف عماد يكتب | مصر والصين.. زيارة للتاريخ
في مشهد يليق بمكانة مصر وحضارتها، استقبل فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي الرئيس الصيني شي جين بينغ في زيارة رسمية حملت الكثير من الدلالات السياسية والحضارية، وجسدت عمق العلاقات التي
تجمع بين مصر والصين، وهما دولتان تنتميان إلى حضارتين عريقتين تركتا بصمتهما في تاريخ الإنسانية.
وجاء الاستقبال المصري للرئيس الصيني ليؤكد أن مصر، بتاريخها وثقلها الإقليمي والدولي، تعرف كيف تكرم ضيوفها الكبار. فقد حرص سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي والسيدة الأولى على استقبال الرئيس الصيني وقرينته لدى وصولهما إلى مطار القاهرة، وسط أجواء احتفالية عكست مشاعر الترحيب والصداقة بين الشعبين المصري والصيني، بمشاركة الأطفال والشباب الذين حملوا أعلام البلدين.
ولم يكن هذا الاستقبال مجرد مراسم بروتوكولية، وإنما كان رسالة واضحة تعبر عن تقدير مصر للصين، وتؤكد أن العلاقات بين البلدين تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والتعاون الممتد عبر عقود.
تتميز العلاقات المصرية الصينية بخصوصية كبيرة، فقد كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956، وهو ما جعل القاهرة وبكين شريكتين تاريخيتين في مسيرة التعاون بين الدول النامية. ومع مرور السنوات، تطورت العلاقات من التعاون السياسي والدبلوماسي إلى شراكة واسعة تشمل الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والنقل والتكنولوجيا.
وتأتي الزيارة الحالية بعد محطات مهمة، من أبرزها زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر عام 2016، وهي الزيارة التي تزامنت مع مرور 60 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وشهدت مراسم استقبال رسمية مهيبة في قصر القبة، إلى جانب توقيع عدد كبير من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات متعددة.
إن عظمة الاستقبال المصري لا تكمن فقط في المراسم الرسمية، وإنما في الرسالة التي يحملها: مصر تفتح أبوابها لأصدقائها الكبار، وتحافظ على تقاليدها العريقة في إكرام الضيف، وتتعامل مع علاقاتها الدولية من موقع دولة صاحبة تاريخ وحضور
ولا تقتصر أهمية زيارة الرئيس الصيني على الجانب السياسي أو الرمزي، بل تمتد إلى آفاق اقتصادية وتنموية واسعة. فمصر تمثل للصين بوابة استراتيجية إلى إفريقيا والشرق الأوسط، كما يمثل موقع قناة السويس أهمية كبيرة في حركة التجارة العالمية وفي مشروعات التعاون المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.
ومن هنا تكتسب الزيارة أهمية خاصة في ظل تطلع البلدين إلى زيادة الاستثمارات والتعاون في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والتكنولوجيا والصناعة، بما يحقق مصالح مشتركة ويخلق فرصًا جديدة للتنمية.
مصر والصين.. حضارتان تلتقيان
ربما تكون أجمل ما في العلاقات المصرية الصينية أنها تجمع بين حضارتين قديمتين عرفتا قيمة العلم والعمل والبناء. فكما يقف العالم منبهرًا أمام الأهرامات والمعابد المصرية، تقف البشرية أيضًا أمام آلاف السنين من الحضارة الصينية وإبداعاتها العلمية والثقافية.
ولهذا فإن لقاء مصر والصين ليس لقاءً بين دولتين فقط، بل هو لقاء بين حضارتين تحملان إرثًا تاريخيًا هائلًا وتتطلعان معًا إلى المستقبل.
لقد جاء استقبال الرئيس الصيني في مصر ليؤكد أن القاهرة لا تزال تحتفظ بمكانتها كعاصمة سياسية وحضارية كبرى، وأن العلاقات المصرية الصينية تدخل مرحلة جديدة من التعاون والشراكة.
إن استقبال الرئيس الصيني في أرض الكنانة لم يكن مجرد حدث بروتوكولي، بل كان صورة مشرقة من صور مصر التي تعرف كيف تستقبل ضيوفها، وكيف تكرم أصدقاءها، وكيف تحافظ على مكانتها التي صنعتها آلاف السنين من الحضارة والتاريخ.