د. جمال السعيد يكتب | الجامعة وبناء الشخصية المصرية

0

عندما يتحدث البعض عن تطوير التعليم الجامعي، ينصرف النقاش في كثير من الأحيان إلى تحديث المناهج، واستحداث البرامج الدراسية، واستخدام التكنولوجيا، وتحسين التصنيفات الدولية للجامعات، وهي جميعًا أهداف مهمة وضرورية. لكن وسط هذا الاهتمام، تظل هناك وظيفة أساسية للجامعة لا ينبغي أن تتراجع أمام أي هدف آخر، وهي بناء الطالب المصري وتشكيل شخصيته.

فالجامعة ليست مجرد مرحلة تعليمية يحصل خلالها الطالب على مجموعة من المعارف التي تؤهله للحصول على شهادة ثم البحث عن وظيفة، وإنما هي واحدة من أهم المراحل في تكوين شخصية الإنسان. ففي سنوات الجامعة تتسع مدارك الشباب، وتتبلور أفكارهم، وتتكون رؤيتهم لأنفسهم ولمجتمعهم والعالم من حولهم.

ومن هنا، فإن نجاح أي جامعة لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد خريجيها أو البرامج التي تقدمها، وإنما أيضًا بنوعية الإنسان الذي تقدمه إلى المجتمع.

نحن نريد خريجًا يمتلك المعرفة والمهارة، لكننا نريده كذلك قادرًا على التفكير والتحليل واتخاذ القرار، وقبول الاختلاف، والعمل مع الآخرين، وتحمل المسؤولية، واحترام القانون وقيم المجتمع. نريد إنسانًا يعرف حقوقه وواجباته، ويعتز بهويته الوطنية، وفي الوقت نفسه يمتلك من المعرفة والانفتاح ما يجعله قادرًا على التعامل مع عالم يتغير بصورة متسارعة.

وهذه المهمة أصبحت أكثر أهمية في وقت يعيش فيه الشباب وسط تدفق غير مسبوق للمعلومات والأفكار عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، وفي ظل تطورات تكنولوجية هائلة يقودها الذكاء الاصطناعي. فلم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة، وإنما أصبحت في القدرة على فهمها وتحليلها والتحقق منها والتمييز بين المعرفة الحقيقية والمعلومات المضللة.

لذلك يجب أن يصبح بناء التفكير النقدي جزءًا أصيلًا من التجربة الجامعية، ليس من خلال مقرر دراسي فقط، وإنما من خلال بيئة تسمح للطلاب بالسؤال والنقاش والبحث، وتعلمهم أن الاختلاف في الرأي لا يعني الصراع، وأن الحوار واحترام الآخر من أهم أدوات المجتمعات القوية.

إن بناء الشخصية لا يحدث داخل قاعة المحاضرات وحدها. فالأنشطة الثقافية والفنية والرياضية، والعمل التطوعي، والاتحادات الطلابية، والمسابقات، والتدريب، والمشاركة في المبادرات المجتمعية، كلها أجزاء من العملية التعليمية وليست أنشطة هامشية يمكن الاستغناء عنها.

ومن خلال هذه التجارب يتعلم الطالب أشياء قد لا يستطيع أي كتاب أن يعلمها له؛ يتعلم القيادة والعمل الجماعي والانضباط، وكيف ينجح وكيف يتعامل مع الفشل، وكيف يعبر عن رأيه، وكيف يستمع إلى الآخرين، وكيف يتحمل مسؤولية قراراته.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بالنسبة للجامعات المصرية في ظل مجتمع يمتلك نسبة كبيرة من الشباب، ودولة تسعى إلى بناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار. فالاستثمار الحقيقي في الشباب لا يبدأ عند دخولهم سوق العمل، وإنما يبدأ قبل ذلك بسنوات داخل مؤسسات التعليم.

ومن الضروري أيضًا أن تظل الجامعة مساحة لترسيخ الهوية الوطنية والانتماء، ولكن بصورة تقوم على المعرفة والوعي وليس الشعارات. فالطالب يحتاج إلى أن يعرف تاريخ بلده ومجتمعه، ويدرك حجم التحديات التي تواجهه، ويشعر بأن له دورًا حقيقيًا في صناعة مستقبله.

وفي الوقت نفسه، لا يوجد تعارض بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العالم. بل علينا أن نسعى لتخريج شاب مصري معتز بثقافته وهويته، وقادر في الوقت ذاته على التواصل مع الثقافات الأخرى، وإتقان اللغات، واستخدام التكنولوجيا، والمنافسة في سوق عمل لم يعد محليًا فقط.

إن مستقبل الجامعات المصرية لن يتحدد فقط بما تمتلكه من مبانٍ حديثة أو معامل متطورة، على الرغم من أهمية ذلك، وإنما بما تستطيع أن تصنعه داخل عقول وشخصيات طلابها.

فالجامعة التي تمنح طالبها شهادة فقط تكون قد أدت جزءًا من رسالتها، أما الجامعة التي تمنحه المعرفة والمهارة والثقة والوعي والقدرة على التفكير والمشاركة وتحمل المسؤولية، فهي التي تسهم بالفعل في بناء المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.