د. حسن هجرس يكتب | المواطن وكاميرا الهاتف.. أين الخلل؟
لم يعد مشهد المواطن الذي يخرج هاتفه لتصوير واقعة داخل مصلحة حكومية مجرد تصرف عابر. فالمواطن قد يلجأ الى التصوير عندما يشعر بتعنت، او يواجه اجراء غير واضح، او يخشى ان تضيع شكواه بين المكاتب والجهات، فيتحول هاتفه من وسيلة للتواصل الى وسيلة لاثبات الواقعة وحفظ
حقه.
وهنا يجب ان نطرح السؤال الاهم: لماذا وصل المواطن الى هذه المرحلة؟
بداية، لا يجوز التعميم. فالجهاز الاداري المصري يضم ملايين الموظفين الذين يؤدون واجبهم في ظروف مختلفة، وهناك نماذج مشرفة تقدم الخدمة للمواطن بكل التزام. لكن في المقابل، فان وجود بعض الممارسات الخاطئة او الاجراءات المعقدة او بطء الاستجابة يستحق التوقف امامه،
ليس لمهاجمة مؤسسات الدولة، وانما لحماية كفاءتها وثقة المواطن فيها.
المشكلة تظهر عندما يشعر المواطن ان ابواب التصعيد مغلقة، وان الوصول الى المسؤول الاعلى اصبح صعبا، او ان الشكوى تعود مرة اخرى الى نفس الدائرة التي نشأت فيها المشكلة. عندها يبدأ المواطن في البحث عن وسيلة بديلة يستطيع من خلالها اثبات ما حدث.
وهنا تصبح الكاميرا شاهدا.
لكن معالجة الظاهرة لا تكون بمنع المواطن من التصوير فقط، بل بالسؤال عن السبب الذي دفعه اليه. فاذا كان المواطن يعرف حقوقه واجراءاته، ويحصل على رد واضح ومسبب، ويجد موظفا مختصا يمتلك الصلاحية، ويعرف الجهة التي يمكنه التصعيد اليها، ويحصل على رد خلال مدة زمنية محددة،
فلن تكون لديه حاجة حقيقية لتحويل هاتفه الى وسيلة ضغط.
لذلك نحتاج الى تطوير مسارات الشكاوى والتظلمات، بحيث لا تكون مجرد رقم يتم تسجيله، وانما مسارا واضحا يبدأ باستقبال الشكوى، ثم فحصها، ثم تحديد المسؤول عنها، ثم اتخاذ قرار، مع تمكين المواطن من معرفة ما تم بشأنها.
كما يجب ان تصبح الشكاوى المتكررة اداة لقياس اداء المؤسسات. فالجهة التي تتكرر ضدها الشكاوى لا ينبغي ان تكتفي بحل كل شكوى منفردة، بل يجب ان تبحث عن السبب الجذري: هل المشكلة في الموظف؟ ام في اللائحة؟ ام في الاجراء؟ ام في ضعف التنسيق بين الجهات؟
وفي المقابل، يجب التأكيد على ان التصوير ليس حقا مطلقا للتشهير او انتهاك الخصوصية، كما ان الموظف الذي يلتزم بالقانون يجب ان تكون له الحماية نفسها التي نطالب بها للمواطن.
الدولة القوية لا تخشى من كشف الخلل، لكنها لا تقبل ان يتحول الخلل الى ثقافة.
ومن هنا، فان المواطن وكاميرا الهاتف ليست قضية كاميرا فقط، وانما قضية ثقة واستجابة وكفاءة ادارية.
اذا اردنا ان نقلل من ظاهرة التصوير، فعلينا ان نفتح ابوابا اوسع للشكوى، ونسرع الاستجابة، ونبسط الاجراءات، ونحاسب المتعنت، ونحمي الموظف المنضبط.
فالمواطن الذي يجد طريقا واضحا وقانونيا وسريعا للحصول على حقه، لن يحتاج غالبا الى ان يجعل كاميرا هاتفه شاهدا على معركته مع الادارة.
حب الدولة لا يعني تجاهل مشكلاتها، والوطنية الحقيقية ان نكشف الخلل باحترام، ونقترح علاجه، ونعمل على ان تكون مؤسسات الدولة دائما عند مستوى ثقة المواطن بها.