محمد سامح حسونة يكتب | حروب الفضاء الإلكتروني
لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُخاض بالدبابات والطائرات وحدها، بل انتقلت إلى ساحات جديدة لا تُرى بالعين المجردة، حيث أصبحت البيانات هدفًا، والشبكات ساحة معركة، والمعلومة سلاحًا قد يفوق في تأثيره الأسلحة التقليدية. ففي لحظة واحدة، قد تتوقف مطارات، أو تُعطل مستشفيات، أو تُشل شبكات كهرباء، أو تُخترق أنظمة بنكية، دون أن تُطلق رصاصة واحدة. هكذا فرض الأمن السيبراني نفسه باعتباره أحد أهم ركائز الأمن القومي والاقتصادي في العصر الرقمي.وتعكس الأرقام حجم هذا التحدي العالمي. فوفقًا لتقرير Cybersecurity Ventures، من المتوقع أن تصل الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الجرائم الإلكترونية إلى 10.5 تريليون دولار سنويًا بحلول عام 2025، مقارنة بنحو 3 تريليونات دولار فقط في عام 2015، وهو ما يجعل الجرائم الإلكترونية من أسرع الجرائم نموًا في العالم. وتشير التقديرات إلى أن هجومًا إلكترونيًا جديدًا يقع كل 39 ثانية في المتوسط، بينما تتعرض آلاف المؤسسات يوميًا لمحاولات اختراق تستهدف سرقة البيانات أو تعطيل الخدمات.ولم تعد الهجمات الإلكترونية تستهدف الأفراد فحسب، بل أصبحت تستهدف البنية التحتية للدول. ففي عام 2021، أدى هجوم إلكتروني ببرنامج الفدية على شركة Colonial Pipeline الأمريكية إلى تعطيل أكبر خط لنقل الوقود في الولايات المتحدة لعدة أيام، مما تسبب في نقص الإمدادات وارتفاع أسعار الوقود في عدد من الولايات. كما تعرضت كوستاريكا عام 2022 لسلسلة هجمات سيبرانية شلت عمل وزارات وهيئات حكومية، وأجبرت الحكومة على إعلان حالة الطوارئ الوطنية، في واحدة من أخطر الهجمات التي تعرضت لها دولة في أمريكا الوسطى.وتكشف تقارير شركة IBM أن متوسط تكلفة اختراق البيانات بلغ 4.88 مليون دولار للحادثة الواحدة خلال عام 2024، وهو أعلى متوسط يُسجل منذ بدء إصدار التقرير قبل نحو عقدين. كما أوضح التقرير أن المؤسسات التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في اكتشاف التهديدات والاستجابة لها تقلل تكلفة الاختراق بمئات الآلاف من الدولارات مقارنة بالمؤسسات التي تفتقر إلى هذه التقنيات.ويأتي الذكاء الاصطناعي ليضيف بُعدًا جديدًا إلى معركة الأمن السيبراني. فكما يُستخدم في كشف البرمجيات الخبيثة وتحليل ملايين البيانات في ثوانٍ، أصبح يُستغل أيضًا في تطوير هجمات أكثر تعقيدًا، مثل رسائل التصيد الاحتيالي التي يصعب تمييزها، وتقنيات التزييف العميق (Deepfake)، التي يمكن من خلالها إنتاج مقاطع صوتية ومرئية مزيفة تُستخدم في عمليات الاحتيال أو التضليل أو الابتزاز.ولا تقف المخاطر عند حدود الاقتصاد، بل تمتد إلى الأمن القومي. فقد أصبحت شبكات الكهرباء، وأنظمة المطارات، والموانئ، والمستشفيات، ومحطات المياه، أهدافًا محتملة للهجمات الإلكترونية، ما دفع العديد من الدول إلى إنشاء قيادات عسكرية متخصصة في الدفاع السيبراني، وإدراج الأمن الإلكتروني ضمن استراتيجياتها الوطنية.وفي مصر، يشهد قطاع الأمن السيبراني تطورًا متسارعًا بالتزامن مع التوسع في التحول الرقمي. فقد أطلقت الدولة الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني 2023–2027، التي تستهدف تعزيز جاهزية المؤسسات، وحماية البنية التحتية الرقمية، ورفع الوعي المجتمعي، وتأهيل كوادر متخصصة قادرة على مواجهة التهديدات المتزايدة. كما توسعت الحكومة في إنشاء مراكز البيانات، وتطوير الخدمات الحكومية الرقمية، وتحديث البنية التحتية للاتصالات، إدراكًا بأن نجاح التحول الرقمي يرتبط بوجود منظومة حماية إلكترونية قوية.ويعكس مؤشر الأمن السيبراني العالمي الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) هذا التقدم، حيث جاءت مصر ضمن الفئة الأولى عالميًا (Tier 1) في أحدث إصدار للمؤشر، وهي الفئة التي تضم الدول الأعلى التزامًا في تطبيق معايير الأمن السيبراني، من خلال تطوير التشريعات، وبناء القدرات، وتعزيز التعاون الدولي، والاستجابة للحوادث الإلكترونية.لكن، ورغم كل هذه الجهود، يبقى العنصر البشري هو الحلقة الأكثر حساسية. وتشير تقارير أمن المعلومات إلى أن نسبة كبيرة من الاختراقات تبدأ بخطأ بسيط، مثل الضغط على رابط مجهول، أو استخدام كلمات مرور ضعيفة، أو مشاركة البيانات الشخصية دون تحقق. لذلك، فإن الوعي الرقمي لا يقل أهمية عن برامج الحماية، بل يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الهجمات الإلكترونية.لقد دخل العالم عصرًا أصبحت فيه البيانات ثروة لا تقل قيمة عن النفط، وأصبح الدفاع عنها ضرورة لا تحتمل التأجيل. فالحروب الحديثة لم تعد تُقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الدول على حماية فضائها الإلكتروني، وتأمين معلوماتها، وضمان استمرارية خدماتها الحيوية. ومن هنا، فإن الاستثمار في الأمن السيبراني لم يعد رفاهية تقنية، بل خيارًا استراتيجيًا لحماية الاقتصاد، وصون الأمن القومي، والحفاظ على ثقة المواطنين في عالم يتسارع نحو الرقمنة بوتيرة غير مسبوقة.