د. محمد فتحي حجازي يكتب | الرفق بالوطن

0

في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي مصدرًا رئيسيًا للأخبار وتشكيل الرأي العام، بات من الضروري أن نتوقف أمام ظاهرة تستحق التأمل؛ وهي الطريقة التي تتناول بها بعض وسائل الإعلام والصفحات الإلكترونية الجرائم والحوادث الفردية، وتحويلها أحيانًا إلى صورة عامة عن المجتمع المصري بأكمله.

لا أحد ينكر أن الجريمة موجودة في كل المجتمعات والدول، وأن مواجهتها والتوعية بخطورتها مسؤولية مشتركة بين الدولة والإعلام والمجتمع. كما أن من حق المواطن أن يعرف الحقيقة، ومن واجب الإعلام أن يكشف أوجه القصور ويطرح القضايا التي تمس حياة الناس.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الواقعة الفردية إلى حالة من التهويل المستمر، ويصبح «الترند» وجذب المشاهدات هدفًا يتقدم على المهنية والمسؤولية الاجتماعية. فحين يتم تداول أخبار الجرائم بصورة مكثفة، وبعناوين مثيرة، ودون سياق يوضح حجم الظاهرة مقارنة بعدد السكان، قد ينشأ لدى المتلقي انطباع مضلل بأن المجتمع بأكمله يعيش في حالة من الفوضى والانفلات.

ولنفترض، على سبيل المثال، أن هناك جريمة واحدة تحظى باهتمام الرأي العام كل يوم، فهذا يعني نحو 365 واقعة خلال عام كامل، في مجتمع يتجاوز عدد سكانه 120 مليون نسمة. ولا يعني ذلك التقليل من خطورة أي جريمة أو من حق الضحايا في العدالة، وإنما يعني ضرورة وضع الأحداث في سياقها الصحيح وعدم تقديم الحالات الفردية باعتبارها مرآة تعكس المجتمع كله.

نحن لا نطالب بالتستر على الجرائم، ولا بمنع الإعلام من أداء دوره الرقابي، وإنما نطالب بمزيد من المهنية والتوازن والمسؤولية. فالكلمة الإعلامية ليست مجرد خبر عابر؛ بل قد تؤثر في وعي المواطن، وفي شعوره بالأمان، وفي الصورة التي تتشكل عن وطنه لدى الآخرين.

ومن حق مصر أيضًا أن تحصل على مساحة من الإعلام تنقل إنجازاتها، وقصص نجاح أبنائها، والمبادرات المجتمعية، والمشروعات التي تُقام، والنماذج الإيجابية التي تستحق أن يراها الناس. وكما أن للسلبيات حقًا في التناول والنقد، فإن للإيجابيات حقًا في أن تجد طريقها إلى الضوء.

الإعلام المسؤول لا يعني إعلامًا يتجاهل المشكلات، وإنما إعلامًا يضعها في إطارها الحقيقي، ويفرق بين النقد البناء وصناعة حالة من الهلع، وبين كشف الحقيقة واستغلال المأساة من أجل المشاهدات.

مصر، كأي دولة، لديها مشكلات وتحديات، ولكن علاج هذه المشكلات لا يكون بتكريس صورة قاتمة عن وطن بأكمله، وإنما بالوعي، والعمل، والمحاسبة، واحترام عقول المواطنين.

رفقًا بمصر.. رفقًا بالوطن.

انقلوا الحقيقة كما هي، وانتقدوا ما يستحق النقد، ولكن لا تجعلوا من جريمة فردية حكمًا على مجتمع بأكمله.

فالكلمة مسؤولية، والإعلام رسالة، والوطن يستحق أن ننقل حقيقته كاملة.. لا أن نختزل صورته في أكثر الأخبار إثارة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.