محمود إبراهيم السمان يكتب | التنمية تبدأ من الإنسان
التنمية الحقيقية لا تأتي بمفردها، ولا تتحقق بمجرد توافر الموارد والإمكانات، وإنما تبدأ من الإنسان وقدرته على اكتشاف ما يمتلكه، وحسن استغلاله، وتحويل الإمكانيات المتاحة إلى فرص حقيقية للإنتاج والعمل وتحقيق الدخل.
فكم من إنسان يمتلك مهارة، أو أرضًا، أو خبرة، أو مساحة صغيرة، أو فكرة بسيطة، لكنه لا يعرف كيف يوظفها اقتصاديًا بالشكل الصحيح. وهنا تكمن أهمية بناء ثقافة «اصنع مشروعك»؛ ثقافة تجعل الإنسان شريكًا في التنمية، وليس مجرد منتظر لفرصة عمل.
إن الدول التي استطاعت أن تحقق تقدمًا اقتصاديًا لم تعتمد فقط على مواردها الطبيعية، وإنما استثمرت في الإنسان والمهارة والإنتاج، وشجعت المشروعات الصغيرة والحرف والصناعات المحلية، وربطت المهارات باحتياجات الأسواق.
وتقدم التجربة الصينية نموذجًا مهمًا في هذا المجال؛ فقد شهدت الحرف والصناعات اليدوية اهتمامًا واسعًا، وأصبحت العديد من المهارات التقليدية مصدرًا للدخل والإنتاج، وتحولت بعض المنتجات اليدوية إلى سلع ذات قيمة اقتصادية وتسويقية، بما يعكس أهمية تحويل المهارة الفردية إلى نشاط اقتصادي منظم.
والرسالة التي يمكن أن نتعلمها من هذه التجارب هي أن المشروع لا يبدأ بالمال فقط، بل يبدأ بالفكرة.
قد يبدأ المشروع من مطبخ المنزل من خلال التصنيع الغذائي، أو من قطعة أرض صغيرة لزراعة النباتات الطبية والعطرية، أو من خبرة في تربية الدواجن، أو من مهارة يدوية يمكن تحويلها إلى منتج مطلوب في السوق.
لكن الفكرة وحدها لا تكفي؛ فالنجاح يحتاج إلى دراسة السوق، وحساب التكاليف، وتحديد حجم رأس المال، ومعرفة سرعة دوران رأس المال، وتقدير حجم الطلب، ودراسة المخاطر، ووضع خطة واضحة للإنتاج والتسويق.
ومن هنا فإن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة لا ينبغي أن يقتصر على توفير التمويل فقط، وإنما يجب أن يمتد إلى التدريب والتوجيه والاستشارات ودراسة الجدوى والتسويق ونقل الخبرات، حتى يستطيع صاحب المشروع أن يبدأ بداية صحيحة، ويستمر، ثم يتوسع.
إننا بحاجة إلى الانتقال من ثقافة «أبحث عن وظيفة» إلى ثقافة أوسع تقول: «كيف أصنع فرصة عمل لي ولغيري؟».
وهذا لا يعني أن كل شخص مطالب بأن يصبح صاحب مشروع كبير، ولكن المطلوب أن يتعلم الإنسان كيف ينظر إلى ما حوله بعين اقتصادية؛ فيرى في المشكلة فرصة، وفي المهارة مشروعًا، وفي المورد البسيط قيمة مضافة، وفي الإمكانية المتاحة بداية لطريق جديد.
التنمية تبدأ عندما يتحول الإنسان من مستهلك للإمكانات إلى منتج للقيمة.
ولذلك فإن شعار «اصنع مشروعك» ليس مجرد عنوان لورشة تدريبية، وإنما هو دعوة إلى تغيير طريقة التفكير؛ من انتظار الفرصة إلى صناعتها، ومن استهلاك الموارد إلى استثمارها، ومن الاعتماد على الآخرين إلى بناء القدرة على الإنتاج.
فالمجتمعات لا تتقدم فقط بما تمتلكه من موارد، وإنما بما تستطيع أن تفعله بهذه الموارد.
اصنع مشروعك… استثمر إمكانياتك… اصنع دخلك… وكن جزءًا من منظومة التنمية.