حجاج سلامة يكتب | من أغاني الأفراح في صعيد مصر

0 91

كانت الأغنية – ولا تزال – مصاحبة لمعظم الاعمال والمناسبات فى البيئة الشعبية فيستخدمها الفلاح فى الزراعة والحصاد , ويغنيها العمال فى اعمال التشييد والبناء . كما تستخدم فى كل مناسبات الافراح وخاصة فى الاحتفال بالزواج . حيث تعتبر الاغنية فى البيئة الشعبية احد عناصر الاشهار والاعلان عن الزواج . ولان العادات والتقاليد المتبعة فى المجتمع الشعبى وخاصة فى صعيد مصر تقضى بان يحتفل الرجال والنساء بالفرح كل بشكل مستقل – هنا – فالرجال لهم طقوسهم الخاصة فى الاحتفال بدءا من توزيع الحلوى ونهاية بتوزيع السجائر على المدعوين .. اما النساء فان لهن ما تبقى من علب الحلوى ثم هذه الطبلة الفخارية المشدود عليها جلد الماعز , وهذه الاغنيات الصارخة والصاخبة التى تتقاذفها الالسن بنصوصها المشحونة بالمستتر والمكشوف من الكلمات .
وقد تركت لنا الموروثات الشعبية التى يزخر بها صعيد مصر الكثير من النصوص والاغانى الشعبية , ولان لهذه الموروثات الشفاهية قدرة كبيرة على النفاذ الى عقول الصغار والكبار من الرجال والنساء والصبية والفتيات فقد كان لها اثرها – وما زال – فى تشكيل جزء كبير من الثقافات العامة والمفاهيم التربوية . وقد نجح الشاعر والباحث المصرى كرم الابنودى فى كتابة المكشوف والمستتر فى افراح واحزان الصعيد والصادر حديثا عن مكتبة الاحمدى بالقاهرة – ان يسجل لنا هذا الموروث الشعبى الشفهى . وان يحفظة للا جيال القادمة .
حيث يحكى لنا كرم الابنودى فى كتابة الجديد طقوس الافراح فى الصعيد فيقول : ” ان النساء يحتفلن بالفرح بشكل منفرد فالرجال فى مكان والنساء فى مكان اخر فيعتقدن ان احدا من الرجال يسمعهن , او انهم مشغولون عنهن . غير ان ادائهن الغنائى يبدا فى السخونة شيئا فشيئا . وكل واحدة من النساء المشاركات فى هذا الغناء الجماعى تحاول من خلال الغناء ان يطفى صوتها الذى تظنة جميلا والذى قد يكون جميلا بالفعل – على الاصوات الباقية فيصبح من السهل هنا تتسرب بضع كلمات من هذة الاغنيات الى اذان الشباب الذى يظل مترقبا , ولا يقطع ترقبةالا اصوات الرجال وضجيج الأرجل التي يوزع أصحابها السجائر من حولة , ومئات الامنيات لمن لم يتزوج بان يتزوج ولمن تزوج بان يؤافى مولود ه الاول ولمن وصل اولاده الى سن الصبا ان يتكرر هذا الصخب السعيد لدية .
ومن النصوص والاغنيات التى سجلها كرم الابنودى فى كتابة اغنية ” ابو جلبية مزهرة ” التى تتفاخرفيها الفتاة بهيئة عريسها فتقول :
– ” يا ابو جلابية مزهرة .. يرمح يطير فى المندرة .. جاب لى الدولاب باربع درفات .. يرمح يطير فى المندرة .. جاب لى السرير باربع عواميد .. يرمح يطير فى المندرة ” .
وهو نص يعود لفترة زمنية ليست بالقريبة حيث كانت طرز الاسرة كلها تقريبا نحاسية او حديدية ذات اعمدة اربعة , وايام كان الدولاب ذو الضلفات الاربع اعجوبة زمانة وحلم كل عروس …
– موروث شعبى اخر غريب يرصدة لنا الباحث المصرى كرم الابنودى . يسمى ” المقارفة” وهو متداول بحذلر بين الصبية فيما بين سن العاشرة والخامسة عشرة وهو محشو بالالفاظ المكشوفة والجارحة وهو اسم يعنى الامر الشديد ومن نصوصة : ” الليل الليل .. الليل الليل .. ومعاه سمك مقلى ومعاى سمك مقلى .. اول ما وعيت لجيبى وقعت من عقلى .. ومعاه سمك بورى .. ومعاى سمك بورى .. اول ما وعيت لجيبى وقعت من طولى ”
– وقد حظيت الحماة – وهى ام الزوج تحديدا – بنصيب وافر من نصوص الموروثات الشعبية الشفاهية فى صعيد مصر . حيث كانت فى هذا الموروث القديم هى الريئسة والزعيمة والكبيرة وهى المتحكمة فى ادارة شئون البيت بكامله الا فيما يختص بزوجها فلة ايضا مناطق نفوذه . ويؤكد ذلك ما جاء ببكائية النت على امها المتوفاة حيث تصرخ قائلة :
” كانت كبيرة وعاملة ريس .. تفتح جرار المشى وتلبس .. كلنت كبيرة وعاملة قاضى .. تفتح جرار المشى وتهادى ” .
– فاذا جاء عريس يطلب يد ابنتها كانت فرحتها به غامرة وتبلع له الزلط – كما يقولون – او كما يقول المثل الشعبى الصعيدى ” حمارة نسيبى ولا واد ولدى ” . اى ربما كانت حمارة زوج ابنتها اغلى عليها من ابن ابنها .
– فاذا اشاراصبع ابنها الى بنت ما وكشف عن زغبتة فى الاقتران بها بدات نواقيس التحسب والحذر تدق ايذانا بقرب قدوم انسانة غريبة قد تستاثر بابنها او تتسبب فى نسيانة امة . وهو تخيل يؤيدة المثل الشعبى القائل ” ربت الخايبة للغايبة ” . وهذا التحفز العدائى من ام الزوج يقابلة تحفز عدائى مماثل من زوجة الابن التى تغنى لزوجها قائلة :
– ” زعلان لية تعالى وانا اقولك .. انت كيلو لب وانا كيلو لب .. ناكل انا وانتة والقشر لامك .. زعلان لية تعالى وانا اقولك .. انت كيلو لحمة وانا كيلو لحمة .. ناكل انا وانته والعضم لامك ” .
– وفى اغنية ” الحلوانى ” نجد ما يؤكد ذلك الاتجاه العدائى ايضا . حيث يقول نص الاغنية :
” يا حلوانى يا .. امك مش عجبانى يا .. امك بتوكلنى مش .. واختك بتوكلنى مش .. عليه النعمة لافور وافش .. واكل لحمه ضانى .. امك بتوكلنى بصاره .. واختك بتوكلنى بصاره .. انا ناوية ابيع الحمارة .. واكل لحمه ضانى ”
وتعالج الاغنية الشعبية فى صعيد مصر فترات الخطوبة وما تضمة من تفاصيل اهمها .. غيرة النساء التى تظل دافعا اساسيا لمحاولة ابعاد نظر الشباب عن فتاتة التى لم يرها بل راتها امه وخالاته وعماته نيابه عنه . فما ان يعلن خبر خطبة شاب لعروسه حتى تبدا النساء اللواتى لديهن بنات فى سن الزواج فى نشر الاكاذيب عن الفتاه صاحبة النصيب , ويبرز هنا دور امه وعماته فى الرد فيقلن فى الاغنية التالية :
” راحو قالوا له دى قليلة نضر00لو شفتها يا عريس غزالة تلعب على جرف البحر 00 راحو قالوا له دى عمية ولا بتشوف 00 لو شفتها يا وله غزالة تلعب ع الجروف ”
ويظل الاعتقاد فى السحر قائما فى المجتمع الشعبى وخاصة فى القرى فحينما يتاخر زواج البنت ولو عاما واحدا تجد الامهات على شفا حفرة من الجنون وتبدأ الام رحلة البحث عن حللزواج ابنتها فتذهب للشيخ او ما اتفق على تسميتة بالشيخ –ليعمل لها عملا او حجابأ او يوهمها بانه ابطل لها عملا كان يعطل زواج ابنتها، وهكذا تعود الام لتلبس ابنتها الحجاب وتحكى لها عن العمل الذى افسده الشيخ وقد جسد الموروث الشعبى ذلك فى نص الاغنية التالية:
“على رجلى يا واد 00 جانى يجرى يا واه 00 جانى واحد من طنطا 00 اعمله العمل ع الشنطة 00عشان ياحدنى يا واه 00 جانى واحد من حجازة اعملوا العمل ع القزازة 00 عشان ياخدنى يا واه
جانى واحد من اسوان00 اعملوا العمل ع الفستان 00 عشان يا خدنى يا واه00على رجلى يا واد 00جانى يجرى يا واه00”
وهكذا كان ومازال الفولكلور او الادب الشعبى مراة صادقة لمكنونات الوجدان الشعبى عند الامم والشعوب بمختلف الوانها والسنتها وثقافتها، فمن خلال هذا الادب الشعبى استطاعت الجماعة الشعبية ان تعبر عن طموحاتها واحلامها وانكسارتها ايضا وذلك من خلال السير الشعبية والملاحم والمواويل والقصص والاشعار والاغانى .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.