حسن الصفدي يكتب | عن دور الأفراد في الأحداث التاريخية

0

“يرفض بليخانوف التأويل الأسطوري للتاريخ، ونسبة دور متعاظم إلى الفرد”….

شهد التاريخ الحديث بروز رجال، ما أكثر ما نُسِبَت إليهم بحماسة منفعلة أدوارٌ فاعلة، على أنهم صانعو مجد بلادهم ومحققي عُلاها. وتُسجّل كتب التاريخ المعاصر أنه: خلال الثلث الأول من القرن العشرين سيطر هتلر على بلاده، ومن ثم أوروبا بأسرها، بالقوة العسكرية. وخلال الثلث الثاني حقق غاندي استقلال الهند بالنضال السلمي. وخلال الثلث الثالث أثبت نلسون مانديللا واقعياً إمكان تعايش عروق مختلفة وأجناس متعددة وأفكار متباينة في جنوب أفريقيا، من دون صراع دموي.

من الغريب حقاً أنه يندر الالتفات، ولو قليلاً، إلى الخلف لتلمس بوادر ما كان يتخلّق في حنايا وثنايا وطوايا المجتمعات البشرية!!..

من يلاحظ ما تتضمّنه صيرورة المسار التاريخي، من نواتج تفاعل موجبات الحدث التاريخي الكامنة، غير الموعية، وإن شئت غير المُنتبه إليها. يكتشف أنه لابد من أن يخضع فعل الفرد، مهما كان شأنه ودوره، في الحدث، إلى فعالية متطلبات الظروف الناجمة عن المجموع التراكمي المستمر لنواتج الوقائع الجارية المادية والمعنوية. من يُلاحظ ذلك، يمكنه استنتاج أنّ تفاعل ضرورات يتحسس لها المجتمع وفعالية الظروف السابقة والحالية هي التي تُنتج/ تخلق أشخاصاً تتراءى في أفكارهم وسلوكهم إرهاصات المجتمع الناجمة عن تجسّد التفاعل والفعالية، بدرجات متفاوتة، وأحياناً، في الأحداث الإنسانية الكبرى، بدرجات متساوقة، مع وجود الأول – ذي الكاريزما المجتمعية – بين متساوين…

لأننا إذا افترضنا أن خلف كل حدث تاريخي فرد متفرّد، فبم نُفسّر الأحداث، المجتمعية والتاريخية، التي تتم من تلقاء ذاتها؟! إذ أنها في واقعها حلقة في واحدة من سلاسل متتابعة، على التوازي وعلى التوالي، تشكّل ماهية وكينونة التاريخ البشري..

الفرد أداة من أدوات صيرورة المجتمعات التاريخية، فالشروط التاريخية أقوى من الأفراد مهما بلغت قوتهم، وهي التي تضعهم، في الوقت المناسب، في واجهة الأحداث كضرورة مُعطاة، فيغدون عندها سمة من سمات عصرهم.

كما أنه عندما يعي فرد ما الضرورة الباعثة على حدث ما، فهذا مما يزيد في طاقته في مواجهة الحدث، والتجاوب مع متطلباته، على أنها القوة الخفيّة التي تحدد دوره وتعمل على وجوده.

غير أن وعي الضرورة هذا يُلزِم الفرد بمواكبة الحدث من جانب، ويدفعه من جانب آخر إلى الانعتاق من التقليد الذي أرست قواعده أحداث سابقة، وأسبق، ويتبدى هذا الانعتاق على أنه مظهر من مظاهر التحرر الناجم عن الضرورة التاريخية المستجدّة.

أما عندما نلاحظ أن أحداثاً بعينها تشرذم مجتمعاً ما، فنراه يترنح ما بين جوانب ومنعطفات احتمالات ومقولات – منها الحديث، ومنها ما أمسى مأثورات خطابية، وإن شئت وعظيّة – من دون أن تكون لهذا المجتمع واجهة صريحة التعبير عن متطلبات الحاضر وطموحات المستقبل، وحتى ان تكون له واجهات عدّة غير أنها متساوقة في تطلعاتها، لا متضادة ومتعاكسة ومتضاربة، ولا متباهية بذاتها لا لذاتها، عندما نلاحظ ذلك يتوجب منطقياً قبول واقع أن هذا المجتمع ما زال ينوس في مرحلة “الجماعات البشرية” التي ما زال عليها إنجاز مرحلة تكوين مجتمع، لا بتخليها عن مزاياها، بل لها الاحتفاظ بها لنفسها، في مجتمع يضمها مع غيرها من جماعات، تحتفظ أيضاً بخصوصياتها، غير أن وعيها الكامن والظاهر يدفعها إلى الاتفاق جميعاً على رؤية وجودها المشترك تاريخياً، رؤية واحدة في عمومها، مختلف في تفاصيلها التي تُحلّ وفق أساليب الحاضر الحضارية، لا وفق مساطر مسبقة الصنع تعيد الجماعات إلى نقطة الصفر.

عندما تصبح الجماعات في حال قبول منسجم، فيما بينها، عندها تبدأ حركة المجتمع الذاتية دورتها فتفعل فعلها، ويغدو للأفراد دورٌ في أحداث مجتمعاتهم، كل فيما خصّه، ولا يعودون أحادا في جماعات متباينة الأزياء والقيافة.

أما عندما تعمل الجماعات على التمايز ومن ثم التفرّد والتحكّم، فتسعى إلى السلطة، ولا تعبأ بالإدارة المشتركة، عندها ليس لك أن تندهش وتعجب، بل عليك معرفة أن ما يجري هو إيفاء حسابات ما تم لجمه ومنع مناقشته مجتمعياً علناً، واستيفاء ما استلب بفرض مقولات – غير متفق على صحتها ونجوعها – بقوة السلطة، بعد وقف تطور مجتمع، حديث التكوين، آخذ في النهوض، فما أسرع ما عاد إلى كونه تجمّع جماعات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.