حميد طولست يكتب | الرياضة والسياسة

0

لم تكن الرياضة في يوم من الأيام، مذهبا سياسيا ولا نظاما اجتماعيا أو اقتصاديا كما يتصور البعض، بل هي قيمة حياتية ورؤية إنسانية وجدت من أجل الشباب، بطبقاتهم وأجناسهم غناهم وفقرهم، ليلاقوا حول أهداف و غايات نبيلة كالحب والتضامن وتحقيق ما يعكس تقدم هذ البلد عن غيره بلإنجازات العظيمة والإبداعات المتميزة خاضة مع كرة القدم التي تحولت لظاهرة اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية، ولعبة شعبية أولي قادرة على أن تعبئ حولها المشاعر الوطنية والقومية بأعداد خيالية، كما قدر الاتحاد الدولي لكرة القدم – الفيفا- عدد من شاهدوا نهائي مونديال ألمانيا 2006 بنحو ثلاثة مليارات شخص، وهو أكبر جمهور على امتداد تاريخ هذا الكوكب يجتمع لمتابعة نشاطا اجتماعيا من أكبر وأهم ما أوجدته البشرية وأكثرها جذباً واستقطابا لاهتمام جميع شرائح المجتمع كإحدى الوسائل الاجتماعية المقبولة لتفريغ المكبوتات، في زمن اتسع فيه الاستهلاك الإعلامي للنشاط الرياضي، مما نتج عنه زيادة في وعي الجماهير، وأفرز مع الأسف لدى الممارسين والجمهور- أحيانا – أخلاقيات تجاوزت الهدف النبيل إلى الطموح الذاتي عند السياسيين بالأخص، ما عزز لدى بعضهم السلوك الأناني وجعل رغباتهم السياسية وأطماعهم الميكافيلية تحول الملاعب والقاعات الرياضية إلى فضاءات لتفريغ الاحتقان السياسي بدل المكبوت النفسي، وتستغل أنشطتها لغايات غير رياضية البتة، مثل التلميع والإلهاء والتجييش وما شابه من مفردات، حتى أصبح من البديهي أن الرياضة أضحت الوسيلة السهلة لوصول عناصر التعصب والأمية والفساد، وحاملي عواطف البغضاء والتعاسة لها ولجماهيرها. وقد صدر في هذا الشأن للكاتب “شوك كور مورفن كلوز” الأخصائي الدولي بسوسيولوجية الرياضة وأبعادها الثقافية، عن دار كولينز نيويورك كتاب تحت عنوان “أكثر من مجرّد لعبة” تناول فيه وعبر 336 صفحة عالم كرة القدم باعتبارها أحد أكثر الرياضات شهرة وشعبية وتسييسا في العالم .

وتبدو مظاهر الاستغلال السياسي للرياضة في المغرب جلية، عند حلول كل محطة انتخابية حيث يتسابق المرشحون لخطبة ود الجمهور الرياضي والرهان على الأصوات بتبني أندية الأحياء، والتسلط على تسيرها دون دراية أو علم بالشأن الرياضي الذي يستعملونه (رجال السياسة) فقط للانتقال من فريق إلى آخر، ثم منها إلى جامعة، ومن جامعة إلى جماعة حضرية ومنها إلى برلمان وربما إلى وزارة، مقابل رشاوى يطلقون عليها “الدعم الرياضي” دون الأخذ في الحسبان باحترام الرياضة وجمهورها ودون المساهمة في تنمية مشاريعها.
ومع هذا الوضع تبقى الرياضة صدى للواقع السياسي العام الموبوء، الذي ينعكس بظلاله على واقعها سوءا وسلبا وتدفع هي فاتورة السياسية حيث أن المسؤول الرياضي يأتي من موقعه السياسي للرياضة وتصنع الرياضة المجد والفوز ويُحسب ذاك الفوز والنصر للسياسي الذي يعرف كيف يركب عليه لتحقيق المزيد من الفوز السياسي، وتخرج الرياضة من المباراة بخفي حنين ك “حزاقة العرس، ما كلات ما تفرجت” ويكون نصيبها من العملية الإهمال والتهميش.
من هذا المنطلق يمكن أن نخلص إلى أن السياسة في المغرب كما في كل بلدان الدنيا وعبر العصور أفسدت الرياضة وتفسدها، لأن الرياضة لها أخلاق سامية تدعو إلى التسامح، والمودة، اولصفاء.. والصبر، والمثابرة وإلى كل مكارم الأخلاق، بخلاف السياسة التي لا تعدو مجرد تعامل وتفاعل سياسي لا أخلاق فيها. وهذا لا يعني أن هناك تناقضات في الأخلاقيات، بل هناك تناقضات في الميدان، مع فارق جوهري هو أن الرياضة عند غيرنا من الشعوب تستفيد من السياسة والسياسيين بقدر ما يستفيدون هم منها، فالاستفادة متبادلة وعادلة.
لذا يجب ألا نستغرب تدخل السياسة في الشؤون الرياضية إطلاقاً، فقد عرف مند القدم حيث لا يمكن للمتتبع الرياضي تجاهل استغلال برلسكوني لكرة القدم سياسيا، وأن نجاح نادي ميلان كان وراء اتساع شعبيته ليؤسس بعد ذلك حزبه السياسي «فورزا ايطاليا»، الذي صعد به الى رئاسة الحكومة في بلد عاشق لكرة القدم الى حد الجنون.
كما أن منعم استفاد كثيرا من دعم مارادونا حينما كان يواجه ازمات محلية، وعندما تخلى عنه النجم الشهير خسر معركة رئاسة الرجنتين.
وكان زيدان ايضا من اكبر الداعمين للرئيس شيراك خلال حملته الانتخابية عام 2002 في مواجهة الزعيم اليميني لوبان.
فالحالات ذات الشهرة الرياضية في التاريخ والتي كانت لها علاقة بالسياسة كثيرة وقديمة جدا وتصعب الإحاطة بها في موضوع واحد، فقد بدأت مع العهد الروماني حيث ألغى (ثيوديوس) الألعاب الأوليمبية القديمة إلى تدخل (موسوليني) وهتلر في شؤونها، في القرن العشرين. لذا سأقتصر على سرد بعض الوقائع التي تعطلت خلالها بطولة كأس العالم ودورة الألعاب الأوليمبية لسنوات بسبب السياسة وذرائع الحربين العالميتين، حيث استغل (موسوليني) استضافة كأس العالم سنة 1934م في إيطاليا للدعاية لنظامه الفاشي، وكذلك فعل (هتلر) مع أولمبياد برلين عام 38، وعوقبت ألمانيا المنهزمة في الحرب بتغييبها عن البطولات العالمية التي تلتها، وفي السبعينات عادت السياسة لتطل برأسها على الرياضة سواء عبر الهجوم الفدائي الفلسطيني على البعثة الإسرائيلية في أولمبياد ميونخ أو عبر المقاطعة الإفريقية لدورة موريال عام 76 بسبب التعامل مع جنوب أفريقيا العنصرية وقتذاك، وتصاعد الأمر إلى ذروته بالمقاطعة الأميركية لأولمبياد موسكو في سنة 1980، ورد الروس وحلفاؤهم على ذلك بمقاطعة أولمبياد لوس أنجلوس بعد أربع سنوات. ورغم محاسن الرياضة التي أعادت العلاقات بين أميركا والصين عبر دبلوماسية كرة الطاولة، كما أعادت الدفء للعلاقات الأميركية الإيرانية عبر لقاءات المصارعة وكرة القدم بين البلدين، رغم كل ذلك فإن السياسة عادت لتطل بوجهها المتجهم في وجه الصينيين الطامحين في قضية استضافة أولمبياد 2008 بكين.
كانت هذه بعض الأمثلة المقتضبة جدا لبعض أوجه تدخلات السياسة والسياسيين في الرياضة واستغلالها لخدمتها في العالم المتقدم، أما على الصعيد العربي فحدث ولا حرج، فطالما تأجلت الدورات العربية وتكررت الغيابات والانسحابات بسبب الخلافات السياسية الواهية..فهل يجب فصل السياسة عن الرياضة؟ موضوع ربما نفصل فيه في مقال قادم بحول الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.