رامي جلال يكتب | من معرض الكتاب.. يعنى إيه ثقافة؟

0 77

شرفت بالتحدث بندوة في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الحالية. الندوة نظمتها تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، وكانت بعنوان: “مؤسسات النشر ودورها في تعميق الوعي”.
فاجأتني مديرة الندوة المحترمة بسؤال مجرد وهو: “ما هي الثقافة؟”.. سؤال صعب، لكن لدي عنه تصور.
بعيدًا عن عشرات التعريفات الأكاديمية، فالثقافة هى ببساطة القدرة على تكوين وجهة نظر، لأنها فى جوهرها ومعناها الحقيقى منهج شامل لتفسير العالم، وأدوات متنوعة لتحليل الأمور، ليتكون الوعى الذى هو فهم وإدراك ما حولنا.
ظنى أن أحد أسوأ النماذج الرأسمالية للثقافة برنامج «من سيربح المليون» بكل نسخه المتعددة التى غزت العالم بعشرات اللغات كبرامج تليفزيونية وألعاب إلكترونية. هذا البرنامج هو نموذج استهلاكى مادى مالى، يربط مباشرة بين المعرفة ورأس المال، وقد حاولوا به الترويج لفكرة أن الثقافة هى المعلومات العامة فى إطار حرص عام على تسطيح الحياة وجعلها ثنائية الأبعاد، استهلاكية وهادفة للربح المادى، ليس فيها أى شىء متمايز إلا النموذج الغربى الذى يفرض نفسه على كل مظاهر حياتنا، ولا يعرف من الخصوصيات إلا خصوصيته هو، فى ظل فكرة تفوق الرجل الأبيض وهزيمة كل من سواه.
معرفة عواصم الدول، وعملات البلدان، وألوان الأعلام، ليست ثقافة، بل مجرد معلومات عامة، لا تنفع فى ذاتها ولا تضر. وحفظ تواريخ ميلاد الشخصيات ووفاتها، أو سنوات حدوث واقعة ما، هى من الأمور التى تؤهلك للعمل بنجاح فى «السجل المدنى» مثلًا!، لكنها لا تؤسس وحدها لأى ثقافة من أى نوع، إلا ثقافة «التيك أواى».
فى منهج الصف الثالث الابتدائى الذى درسته منذ قرابة الثلاثين عامًا، تقرر علينا ما يلى: «وُلد مصطفى كامل عام 1874، وكان عمره ثمانى سنوات عندما احتل الإنجليز مصر»… إلى آخر الحديث عن نشأته، ثم تم ذكر مقولاته الشهيرة: «لو لم أكن مصريًا لوددت أن أكون مصريًا»، و«لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس».
لا مشكلة من تلقين كل هذه المعلومات شديدة السطحية لطفل لم يبلغ العاشرة من عمره، لكن الأزمة الحقيقية أنه خلال كل رحلتى الدراسية لم يحدث أى تفاعل، بأى درجة، للمناهج التعليمية مع هذه الفترة المهمة من تاريخ مصر.. من المهم أن يتخرج الطالب المصرى مثقفًا وواعيًا بتاريخ بلده، وتلك الثقافة وهذا الوعى لا يأتيان بتلقين أرقام وشعارات.

بعيدًا عن سنوات مولد مصطفى كامل، الذى تحل علينا ذكرى وفاته فى العاشر من الشهر الجارى، ما يهمنا فى شخصية مثله، كونه مؤسس الحزب الوطنى، عام 1907، هو تفاصيل مشروعه الفكرى، حيث كانت قضيته الأساسية هى التخلص من الاحتلال الإنجليزى، مع التمسك بالتبعية للدولة العثمانية. وهذا توجه ثورى فى حدود عصره وسياقه.

مهم كذلك أن يعرف طلاب مصر أن مدرسة فكرية أخرى قد نشأت على يد أحمد لطفى السيد، الذى أسس حزب الأمة فى العام نفسه، 1907، وكان شعاره «مصر للمصريين»، وكان مشروعه الفكرى يتلخص فى معاداة الدولة العثمانية، لأنها أخرت مصر، وهذا ما تسبب فى احتلالها من الإنجليز، وبالتالى فالحل السحرى عنده هو التنمية والنهضة، وهذا تبعًا لأفكاره سيزيل الاستعمار بالضرورة وبشكل تلقائى، ولهذا كانت قضيته الأساسية هى النهضة وليست مقاومة الاحتلال. وهو فى هذا متأثر بأستاذه الشيخ «محمد عبده» الذى كان يرى حتمية تقوية فئات الشعب، لتكون لها كلمة بين سلطة الخديو وسلطة الإنجليز. لهذا كان كل من مصطفى كامل وأحمد لطفى السيد ضد ثورة أحمد عرابى، الأول اعتبرها خروجًا على الباب العالى، والثانى عدها تعطيلًا لمسيرة التنمية المصرية.
المعلومات العامة مهمة كرؤوس مواضيع ننطلق منها إلى الثقافة، لكنها هي في ذاتها ليست ثقافة، وأي نظام تعليمي قائم على تلقين وحفظ المعلومات فحسب، هو نظام تعليمي مسطح بعيد عن الثقافة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.