عضيد جواد الخميسي يكتب | طريق الحرير (3-3)

0

الرومان والحرير.. قبل أن يصبح أوگسطس إمبراطورًا ؛ استغل القيصر (أوكتاڤيان) المسألة المثيرة للجدل حول الملابس الحريرية للنيل من خصومه وهما ؛ (مارك أنتوني عام 83-30 قبل الميلاد)، و (كليوپاترا السابعة عام 69-30 قبل الميلاد) باعتبارها تنافي الأخلاق لمرتديها . لأن كليهما قد فضّلا الحرير الصيني الذي أصبح مرتبطًا بشكل أو بآخر مع الفجور، وقد استغل أوكتاڤيان هذا الموقف للتخلص منهما . و تمكن أخيرًا من إزاحتهما بعد الانتصار عليهما ؛ إلاّ أنه فشل في الحد من تجارة الحرير وشعبيته .
كتب المؤرخ (ويل ديورانت) المقطع التالي :
“اعتقد الرومان أن [الحرير] مُنتج نباتي ينمو على الأشجار، وكانوا يقدرّون وزنه بالذهب. جيء بالكثير من هذا الحرير إلى جزيرة كوس، حيث تم نسجه إلى فساتين للسيدات في روما ومدن أخرى . وفي عام 91 بعد الميلاد، اضطرت ولاية ميسينيا الفقيرة نسبيًا إلى منع نسائها من ارتداء فساتين حريرية شفافة في المناسبات الدينية.” (ص 329)
في عهد الفيلسوف والكاتب (سينيكا الأصغر عام 4 ق.م – 65 م) ؛ كان الرومان المتدينون أكثر حماسًا من أوگسطس في رفض الحرير الصيني ؛ باعتباره لباسًا غير محتشمًا للنساء، وزيًّا مخنّثًا للرجال . رغمًا من ذلك فإن هذه الانتقادات لم تمنع من وقف تجارة الحرير مع روما . وبالتالي فإن جزيرة (كوس) قد أصبحت ثرية وراقية من خلال تصنيع الملابس الحريرية .
كتب ديورانت المقطع التالي حول التجارة في إيطاليا :
” تمتعت إيطاليا بميزان تجاري(غير متكافئ)، حيث اشترت بأكثر مما باعت ؛ لكنها استمرت في تصدير سلعًا غالية إلى الصين مثل ؛ السجاد، المجوهرات، الكهرمان، المعادن، الأصباغ، الأدوية، والزجاج” (ص 328-329).
في عهد الإمبراطور (ماركوس أوريليوس عام 160-180 م) ؛كان الحرير هو السلعة الأكثر قيمة في روما، وكلما زاد رفض المتدينين له ؛ زادت المتاجرة به وكثر انتشار موضته !.
حتى بعد أوريليوس، استمر الحرير كبضاعة مرغوبة وإن كانت مكلفة بشكل متزايد ؛ لحين سقوط الإمبراطورية الرومانية عام 476 م. النصف الشرقي من الإمبراطورية لم يطله الانهيار، وأصبح ما يعرف باسم (الإمبراطورية البيزنطية)، والذي حمل افتتان الرومان بالحرير. وفي حوالي عام 60 بعد الميلاد، أدرك الغرب في حينه ؛ أن الحرير لا تتم زراعته على الأشجار في الصين ؛ بل كان يُنسج بواسطة ديدان القّز. حيث كان الصينيون قد حافظوا بقصد عن أصل الحرير، لذا عملوا على حراسة ديدان القّز الخاصة، مع المراقبة الدقيقة أثناء عملية جمع الحرير.
الإمبراطور البيزنطي (جستنيان عام 527- 565 م)، عانى من دفع مبالغ باهظة إلى الصين مقابل الحرير . فخطرت له فكرة بإرسال اثنين من المبعوثين الى الصين يتنكران بزي رهبان لسرقة دودة القّز وتهريبها . كانت الخطة ناجحة، وبدأت صناعة الحرير البيزنطية . وعندما سقطت الإمبراطورية البيزنطية في أيدي الأتراك عام 1453 م ؛ أغلقت الإمبراطورية العثمانية الطرق القديمة لطريق الحرير وقطعت كل العلاقات مع الغرب .
كانت أعظم قيمة لطريق الحرير هي؛ تبادل ثقافة الأدب والفن، الهندسة المعمارية والطب، العلوم والتكنولوجيا، الدين والفلسفة واللغة . وجرى تبادل أغلب عناصر الحضارة وتفرعاتها على طول شبكة الطرق وعرضها ؛ ابتداءً من السلع التجارية وانتهاءً بالأمراض والأوبئة . كما اتضح من انتشار الطاعون الدبلي عام 542 م، والذي يُعتقد أنه قد وصل إلى القسطنطينية بواحد من مسالك طريق الحرير، والذي قضى على الإمبراطورية البيزنطية.
إن إغلاق طريق الحرير قد أجبر التجّار في النزول إلى البحر لممارسة تجارتهم، ودعوة عاجلة إلى بدء عصر الاستكشاف الذي أدى بدوره إلى اندماج عالمي، وبدايات لمجتمع جديد . وقبل ذلك الوقت ؛ ساعد طريق الحرير على توسيع فهم الناس للعالم الذي يعيشون فيه ؛ وعندما تم اغلاقه ؛ دفع الأوروبيون إلى اكتشاف المحيط ؛ وبالتالي إلى غزو ما يسمى بالعالم الجديد للأمريكيتين .
في البداية حصل ما يسمى (التبادل الكولومبي) الذي تم من خلاله نهب الثروات والمواد الخام الصناعية والمنتجات الزراعية الموجودة في العالم الجديد ونقلها إلى العالم القديم، بالمقابل لم يحصل العالم الجديد سوى العبودية والإذلال والأمراض الاجتماعية التي ابتلي بها العالم القديم من قبله. ولكن في النهاية لابد من القول؛ أن طريق الحرير كان الأساس في تطوّر العالم الحديث.

مصادر
سوزان وايز باور ـ تاريخ العالم القديم ـ نورتن للنشر ـ 2007 .
كريستوفر بيكويث ـ إمبراطوريات طريق الحرير: تاريخ وسط أوراسيا من العصر البرونزي حتى الوقت الحاضر ـ مطبعة جامعة برينستون ـ 2011 .
ويل ديورانت ـ قصة الحضارة الجزء الثالث ، قيصر والمسيح ـ سايمون وشوستر للنشر ـ 2012 .
پاتريشيا باكلي ـ تاريخ كامبريدج المصور للصين ـ صحافة جامعة كامبردج ـ 2010 .
ڤاليري هانسن ـ طريق الحرير: تاريخ جديد ـ مطبعة جامعة أكسفورد ـ 2012 .
روبرت ب.ستراسلر ـ لاندمارك هيرودوت: التاريخ (سلسلة لاندمارك) ـ أنگور للنشر ـ 2009 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.