فوزي حامد الهيتي يكتب | التعليم وما أدراك (1-3)

0

عن تجربة التعليم في العراق… كتب خبراء التربية والتعليم في بلادنا عشرات، إن لم تكن مئات المقالات والبحوث والكتب والأطاريح العلمية ، كلها تناقش واقع التعليم وأسباب تدنيه وما هي الطرق والوسائل الناجعة للنهوض به. منهم من ركز على مناهج وطارئق التعليم لدينا ومنهم من تطرق على البنى التحتية لمؤسساتنا التعليمية مثل الأبنية المدرسية المتهالكة ونقصها الكبير فضلا عن انعدام المختبرات العلمية وتجاهل مدرسينا وإدارات مدارسنا لحصص مهمة ضمن المنهاج التعليمي تستثمر ساعاتها أحياناً لصالح مقررات دراسية أخرى أو تلغى تماما من الجدول بسبب الزخم الهائل للطلبة وقلة عدد الصفوف .. الخ من أسباب أهملنا مواد ومقررات مثل التربية الفنية والتربية الرياضية والنشيد والموسيقى .. الخ لصالح حصص أخرى مثل الانكليزي والرياضيات والعلوم الطبيعية وغيرها .
وكل ما تقدم من مشكلات أصابت برنامجنا التعليمي بالضعف والشلل أثر بشكل كبير على مخرجات وزارة التربية بشكل واضح وانعكس بالنتيجة على مخرجات وزارة التعليم. .. أقول أن كل هذه المشكلات التي أثرناها، لها أثر سلبي واضح ،.. ولكن هناك مشكلة أخرى لا يتم الوقوف عندها إلا نادراً وهي لغة التعليم في مدارسنا وجامعاتنا.
فما هي لغة التعليم لدينا؟؟.
لا شك أن الجواب الحاضر والبديهي على هذا السؤال هو اللغة العربية. فالعربية هي اللغة التي نكتب بها مناهجنا ويقرأ بها أطفالنا كتبهم المنهجية من المراحل الأولى في الإبتدائية وحتى الجامعية. ولكن ما هو حجم ومساحة استخدام هذه اللغة بالفعل داخل الصف الدراسي ولا أقول داخل المدرسة والجامعة؟؟. ألا نستخدم اللهجة العامية خلال التدريس ؟ وإذا كان الجواب بنعم . .. وهو حتماً كذلك فهل هناك فارق كبير بين اللغة المكتوب بها منهج طلبتنا واللهجة العامية التي نستعين بها في شرح وتوضيح المقرر الدراسي؟؟ وما حجم الأثر استخدام اللهجة العامية على مستوى إستعاب التلاميذ للمادة العلمية المعطاة لهم؟؟.
إن اللهجة العامية التي نستعمها في الشرح والإيضاح والتداول داخل المدرسة وكذلك داخل الجامعة هي تكاد أن تكون لغة أخرى مختلفة عن العربية التي نصفها عادة بالفصحى بل يذهب بعض المختصين في علم اللغات الى عدها بالفعل لغة أخرى تختلف كثيراً عن العربية وإن كانت هناك ألفاظ وكلمات مشتركة بينهما، ولكن تصريفها وجمعها واشتقاقها مختلف تماماً بين العامية والفصحى. وإن صح هذا الكلام وهو صحيح عندي حد اليقين ولا شك فيه، فهذا يعني أن الطفل لدينا في أول أيام تعلمه يبدأ بالفعل بتعلم لغة أخرى جديدة عليه غير لغته الأم التي تعلمها في البيت والحارة والوسط الاجتماعي الذي نشأ وعاش فيه. ومطلوبٌ منه أن يتعلم هذه اللغة الجديدة نطقاً وحديثاً وكتابة خلال السنوات الأولى من بدء تعليمهِ. ربما يكون الأمرُ ممكنا لو كان استخدام هذه اللغة وأقصد العربية الفصحى استخداماً في كل مقررات الدراسة وطوال الوقت الذي يقضيه التلميذ في المدرستي أو على الأقل داخل الصف المدرسي، ولكن نحن نعلم أن المعلمين لا يستخدمون هذه اللغة داخل الصف إلا عند قراء النص المكتوب .. أما عند الشرح والايضاح أو ايُّ حوارٍ يجري داخل الصف فيكون باللهجة العامية، إلا ما ندر قد يستعملها بعض المعلمين وفي الغالب لا يحسنون نطقها والتحدثُ بها لغة للتداول والحوار.
ماذا ينتج عن هذه الحالة؟؟. هل يمكن تعلم وتعليم لغة ثانية بهذه الطريقة ؟؟. فاللغة العربية الفصحى أصبحت لغة ثانية لنا وليست لغة أم بالمفهوم الدقيق لكلمة لغة الأم.
لا شك أن أن النتيجة الطبيعية لهذه الطريقة في التعلم والتعليم تكون ما نحن عليه اليوم من مستوى تعليمي متدني. لأن طلبتنا وفي كل مراحل دراستهم يتعلمون بلغة لا يجيدون إستخدامها والتفكير بها وبالتالي يصعب عليهم استيعاب مضامين ما يقرأون لهذا نراهم يميلون للحفظ وليس للإستيعاب والفهم ومن ثم التعبير السليم عن ما فهموه وهذا يصدق على كل مقررات الدراسة وليس في مادة اللغة العربية أي على المقررات الأخرى مثل العلوم الإجتماعية والطبيعية التي يدرها التلاميذ والطلبة خلال مراحل تعلمهم في الابتدائية والثانوية. والنتيجة الطبيعية لهذه الحالة تكون تدني مستوى التعليم في مدارسنا وجامعاتنا طبعاً. أن طرائق التعليم لدينا لا تجري وفق النمو الطبيعي لمراحل التعلم، فأول مراحل التعلم لدى الأطفال هو تعلم اللغة ومن ثم يبدأ اكتساب المعارف الأخرى من خلال اللغة .. لغته الأم. أما نحن فنعلم أطفالنا بلغة جديدة لم يتعرف عليها في بيته ولا بيئته التي تربى بها ومن ثم لا نعتمد الوسائل السليمة في تعليمه هذه اللغة الجديدة حد الاتقان ومن ثم نتوقع أن نخرج بنتائج غير التي نراها حاصلة بالفعل؟ هل هذا منطق تعليمي سليم؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.