محمد عمارة تقي الدين يكتب | نحو إعلام ديني أكثر تراحمية (2-3)

0 147

إن الهدف المركزي لغالبية المنصات الإعلامية هو السعي للربح المادي فقط، لذا شهدنا تحول بعض القنوات الغنائية إلى قنوات دينية حيث جذب المزيد من الإعلانات، وإتاحة ما يسمى بالهاتف الإسلامي، ورسائل المحمول مدفوعة الأجر على الشاشة وغيرها.

ومن ثم ساهمت في إنتاج واقع مُفعم بالمادية النفعية والصراع، دون أن يعبأ بما حدث من تآكل للقيم المجتمعية ومحاولة ترميمها بقيم دينية ذات نزعة إنسانية، وها هي قنوات الرقية والسحر وغيرها وقد غزت فضاءات العالم العربي.
لقد قاد فقدان المصداقية وعدم التطوير ومواكبة مستجدات العصر للعزوف عن الدعاة الجدد بعد أن كانوا ملىء السمع والبصر.
وبالمجمل فقد تم عبر هذا الإعلام حقن شرايين المجتمع بجرعات عالية من الكراهية وتغذية الصراعات الطائفية والمذهبية، وهو ما قاد الكثيرون إلى النفور منه، ومن ثم أضحت مقولة توفيق الحكيم: “المسئول عن انهيار مملكة السماء هم رجال الدين أنفسهم” أكثر تعبيراً عن هذا الواقع.

إن تحليل لغة الخطاب الديني الذي تبثه تلك الوسائل الإعلامية، هو أمر من شأنه أن يقودنا لنتيجة مفادها: أنه متطور بعض الشيء على مستوى الشكل غير أنه متخلف ورجعي على مستوى المضمون.

كل هذه السلبيات قادت إلى تراجع تأثير الإعلام الديني، وأفول سريع له، فهو حقاً إعلام الفرص الضائعة، فقد كانت لديه فرصة كبيرة بعد ثورة يناير في بلورة ملامح رؤية حضارية للإسلام إلا أن ما حدث هو العكس حيث تصاعد خطاب الكراهية والتفرقة وتأجيج الصراعات السياسية والدينية والمذهبية.

أقول أن كل هذه السلبيات حدثت من أغلب المنصات الإعلامية الدينية وليس جميعها، إذ أن هناك البعض منها وقد قدم رسالة جيدة، ونعتقد أنها الآن في طور عملية التصحيح الذاتي عبر تراكم الخبرة.
والسؤال الآن: كيف يمكن الخروج من هذا المأزق الذي وضع الإعلام الدينى نفسه فيه؟ هل نترك المشاهد أو المتلقي نهباً لإعلام رجعي؟ أم أن نسعى لتطوير إعلام ديني حقيقي؟
بدايةً، علينا أن نعترف أن أزمة الإعلام الدينى، هى جزء من أزمة أكبر يعاني منها الخطاب الديني حيث افتقاره لمشروع حقيقي للتجديد، ومن ثم أضحى الإعلام الديني جزءاً من المشكلة دون أدنى محاولة منه لحلها.
حقيقةً أن الإعلام هو صناعة ثقيلة بكل ما تحمله الكلمة من مضمون، وأن لديه المقدرة على أن يحمل مشروعاً حضارياً ذو مرجعية دينية قيمية إنسانية لهذا العالم إذا ما حسن توظيفه، أي أن تكون غايته هي بناء الإنسان الذي هو فرد الحضارة، من هذا المنطلق فإن أي إعلام إنساني أو قيمي هو إعلام ديني بالضرورة.

ولتكن البداية بالشروع في بلورة استراتيجية ورؤية شاملة حول موقعنا من العالم والتحديات التي نواجهها، وسبل الاشتباك معها وكذلك بلورة رؤية للذات وللآخر في آن.

وفي يقيني أن الإعلام الديني يجب أن يتحرك على مستويات ثلاثة، على أن يصب جُلَّ اهتمامه على المستوى الأخير:
المستوى الميتافيزيقي: مواجهة الإلحاد فكرياً مع ضمان احترام حرية المعتقد.
مستوى العبادات: أي كيفية أداء الطقوس الدينية مع التيسير لا التعسير.
مستوى المعاملات: تأكيد قيم التعايش والتسامح والمواطنة وعمران الأرض وقبول الآخر واحترام حرية الضمير وغيرها.

يرى أحد المتخصصين أن القواعد التي يجب أن يتبعها الإعلام الديني هي:” التيسير لا التعسير، والاهتمام بالحقيقة والجوهر دون الشكل والمظهر، والانتقال من الكلام والجدل إلى العطاء والعمل، ومن العاطفية والغوغائية إلى العقلانية والعلمية، ومن الجمود والتقليد إلى الاجتهاد والتجديد، ومن التعصب والانغلاق إلى التسامح والانطلاق”.
وهي أمور تتطلب الشروع في وضع ميثاق شرف إعلامي للإعلام الدينى ليحدد الأطر العامة التي عليه اتباعها على أن يتسامى قيمياً بما يتفق وما تطرحه الأديان.
كما أن عليه المعادلة والموازنة بين تناول القضايا والموضوعات المعاصرة بأسلوب بسيط ليصل للعامة وبين الحفاظ على مستوى راق للخطاب الدينى.
والإلتزام بالدقة فى انتقاء اللفظ وكذلك أسلوب المناقشة، فالكل يريد من رجل الدعوة أن يكون مثالاً ولا يتسامح المجتمع مع أخطائه بسهولة.
الشروع في إنتاج برامج دينية هادفة وجذابة يتم تقديمها للطفل والشاب والأسرة، وبخاصة الدراما الدينية وتحديداً التي تستهدف الأطفال.

وتطوير لغة الخطاب الديني الذي تستخدمه هذه المنصات الإعلامية بما يتفق وتطورات العصر، والابتعاد عن أي محاولة لتسييس المؤسسات الدينية، والاضطلاع بدورها في تعزيز وإقرار السلم الأهلي، واتباع منهج الموعظة الحسنة والجدل بالتي هي أحسن، ومواجهة المادية، واستشراء النزعة الاستهلاكية، والنفعية الفردية وغيرها.

على أن يجري مخاطبة ملكة النقد والتفكير الحر والتساؤل دون التلقين الذي لم يعد مُجدياً في هذا العصر، كذلك تجاوز الخطاب العاطفي إلى خطاب عقلاني واقعي.
واتباع استراتيجية المبادرة بالفعل على مواقع التواصل الاجتماعي حيث نشر فتوى ورؤى التسامح دون أن نقبع في موقف المدافع دائماً وأبداً.
كل هذا مع أهمية وجود مؤسسات بحثية متخصصة لتقييم المحتوي الإعلامي الذي يجرى عرضه وإبداء الملاحظات بشأنه، وقياس رجع الصدى لهذا المحتوى، مع بلورة روؤى لخطط إعلامية مستقبلية.
غير أن الأمر المركزي هنا هو حاجتنا الملحة لمنصات إعلامية دينية يجري بثها باللغة الإنجليزية، تلك اللغة الأكثر انتشاراً، لتبصير الآخر بمخزون التراحم والتسامح والتعايش النائم في عمق النسق الديني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.