نور الشيخ يكتب | محاكم التفتيش الرقمية

0 610

بدأت محاكم التفتيش في القرن الثاني عشر، واستمرّت لمئات السنين، وتعود أصول عملها إلى الاضطهاد المنظّم المبكّر للديانات المسيحية غير الكاثوليكية في أوروبا، انتشرت بعدها محاكم التفتيش في عدة أماكنَ مثل البرتغال وجزر البليار، وكانت نهايتها في شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث تضاءل نشاطها من خلال انتشار الأفكار المستنيرة، مرورًا بالمحاكم الثورية الفرنسية فى القرن الثامن عشر. هل انتهت محاكم التفتيش من العالم؟

قد تكون انتهت بشكلها التقليدى الدموى الملموس ولكن فى حقيقة الأمر هى لم تنته فى مفهومها وفكرتها، أصبحت صفحات التواصل الإجتماعى الأن هى محاكم التفتيش بعينها ولكن دون دماء، تكتفى فقط بإثارة الأراء والعواطف، تأجيج المشاعر نحو أى قضية مهما كانت بسيطةوغير مهمة، تظن للوهلة الأولى إنها وصية “هيرمنان راوشنج” أحد زعماء الحزب النازى فترة حكم هتلر فى كتابة صوت التدمير أو ما يُعرف بأوراق هتلر: “إن أسلحتنا هي الإرباك العقلي، وتضارب المشاعر وإشاعة الذعر، وإثارة التردد، وعدم استطاعة خصومنا الخروج بقرار حاسم”.
يبدأ الأمر بصناعة “تريند” مثل شاب ألقى بنفسه من شباك الشركة، أو طفل سقط داخل بير أو بالوعة صرف، أزمة إجتماعية، منتخب يتعادل، لاعب يصاب، فنانة تقلع، ممثل يلبس، أى حاجة يتعمل منها موضوع، وبما إن التريند عمره الافتراضي قصير جدًا، لا يتعدى اليومين إلى ثلاثة أيام ثم ينهار بفعل تريند أخر، وهنا يأتى دور محاكم التفتيش، وتنصب محاكم التفتيش فى لحظات سقوط الترند محاولة إنقاذه من الإنهيار.
إنقاذ التريند يكون بأمر أكثر تشويقا مثل أفلام الأكشن المليئة بفكرة ومشاهد الإنتقام والعتاب والدرما وهي محاكم التفتيش التى تُنصب لمحاكاة صاحب التريند أو غير المؤيدين له أو غير المتعاطفين أو المزايدة على مشاعر المواطنين أو المزايدة على دور المسئولين فى إتخاذ إجراءات معينة.
مثل نَصب المحكمة لشخص وهمى وتحميله مسئولية إنتحار موظف بدون الإلتفات لتحقيقات النيابة، تدخين سيدة فى المدرجات وتصويرها كأنها أول سيدة فى الكون تدخن لسحب الأنظار عن حالة الإلتفاف الوطنى حول المنتخب، متناسين أن كوكب الشرق كانت تدخن وجمهورها يشاركها هذه العادة، نَصب المحكمة للمسئولين فى المغرب متهمين إيهاهم بالتقصير فى إنقاذ الطفل ريان، أمثلة كثيرة لا تحصى ولا تعد، كلها تدور فى نفس الفلك الإلهاء والإرباك والتردد وعدم الالتفاف حول قرار بعينه.
في بعض الأوقات ننصب محاكم تفتيش خاصة بنا بعيدة عن الترند لتوزيع بعض الطاقات السلبية الزائدة عن الإستخدام اليومى، وفى أغلب الأوقات تنصب المحاكم من القضاة الإلكترونيين على مواقع التواصل الإجتماعى، نصبوا أنفسهم قضاة دون توفير الحق للمتهمين معرفة من هم قضاتهم، أو ما هى تهمتهم، نصبوا أنفسهم قضاة دون العمل والإقتضاء بالقوانين، فقط وفق أهوائهم ورغباتهم المريضة فى توجيه مشاعر المواطنين نحو من يتقاضون راتبًا ماليًا أو معنويًا عليه. فتجدهم يحاربون القوانين واللوائح بشتى الطرق فإذا ما أصدر النائب العام بيان بحظر النشر فى قضية ما خشيةً تأثير الرأى العام على ضمير المحكمة، تجدهم يشككون فى قرارت المحكمة ضاربين بالقوانين عرض الحائط، ويحاكمون هم المحكمة الأصلية.. تخيل!
عزيزي المواطن الرقمي، لا تجعل من “الترند” لجامًا يتحكم بك وبمشاعرك، ولا تنجرف خلف محاكم التفتيش الرقمية؛ فلا يمكن الحكم على الأمور بالمشاعر والعواطف بل بالقوانين دون غيرها.

* نور الشيخ، عضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.