د. جهاد محمد حجازي يكتب | النجاح والفشل وجهان لدرسٍ واحد
في هذا المسار الممتد الذي نسميه عمراً ، لا تسير الروح في خط مستقيم ؛ بل تتنقل بين ثنائيات يحكمها التوازن ، محطات متقابلة تُشكّل في مجموعها جوهر الوجود ، وتصنع من طين تجاربنا إنسانًا كاملاً.
الخيبة والنجاح ليسا طرفي نقيض ، بل هما وجهان لدرسٍ واحدٍ ، فالخيبة بتلك المرارة الخاطفة التي تتركها في الحلق هي المعلم الأكثر صدقاً .. إنها تُعيد رسم الخرائط التي رسمناها بقلة خبرة ، وتُسقط عن عيوننا زيف التوقعات. ليست الخيبة سُقوطًا نهايئًا ، بل هي غربلة ضرورية للصحبة والأحلام والمسارات … أما النجاح الحقيقي فليس الحفل الذي يُقام في نهاية الطريق ولا تصفيق العابرين ، بل هو تلك اللحظة الهادئة التي تنظر فيها إلى الخلف وتُدرك أنك أصبحت أصلب وأرقّ ، وأقل انخداعاً بالمظاهر.
النجاح هو أن تظل قابلاً للإزهار في أرضٍ جفّت فيها كل أسباب الحياة ، وفي العتمة المتأنية يقف اليأس والأمل كليلٍ ونهارٍ يتناوبان على صحوة القلب … اليأس ليس دائمًا ضعفًا بل هو أحيانًا استراحة محارب أرهقه المسير بالأسلوب القديم ، لحظة يُعلن فيها العقل تعبه كي يُعيد ترتيب أوراقه … لكن الخطر يتجسد حين يستطيب المرء العتمة ويجعل من اليأس مسكناً ، هنا يأتي الأمل ؛ لا كمعجزة هابطة من السماء دون جهد ، بل كقرارٍ واعي بأن تزرع بذرة في أرض لا تدري هل تمطر غداً أم لا ، الأمل هو أن تحب الغد قبل أن تراه ، وأن تتذكر أن الفجر لا يلغي الظلام بل ينبثق من أشد ساعاته قسوة.
ثم يأتي الفراق ، المحطة الأكثر تهذيبًا للروح وإيلاماً لها ، الفراق هو الشقّ الذي يدخل منه الضوء ليذكرنا بأن لا شيء مُخلّد في هذه الدنيا. أن تُفارق أحداً أو مرحلة أو حُلمًا ، يعني أن تُتقن فن الترك دون أن تتخلى عن الإمتنان ، الفراق ليس محواً للأثر بل هو تحول الحضور من الواقع الملموس إلى الذاكرة ، إنه القدرة على إفساح مساحة هادئة في أروقة الروح لمن غادروا ، دون أن يتحول حنينك إليهم إلى قيدٍ يمنعك من مواصلة خطواتك.
وأخيراً ، يكتمل نضج المرء حين يفهم الحكمة الغائبة في المنع والعطاء ، لقد علمنا الزمان أن المنع أحيانًا هو عين العطاء ، وأن حرمانُنا مما رغبنا فيه بشدة قد يكون الحصن الوحيد الذي يفصلنا عن هلاكٍ محتوم ، ليس كل منحٍ بركة ، ولا كل حرمانٍ عقابًا ، المنع يحمينا من غياهب الرغبات التي لا تُناسبنا ، ويكشف لنا أبعاداً في أنفسنا لم نكن لنعرفها لو نُلنا كل ما طلبناه … أما العطاء الأعمق فليس في أن تُمنح كل ما تتمناه ، بل أن يُنزَع من قلبك الشقاء بما لم تُمنحه ، وتُرزق الرضا التام والسكينة في الطريق الذي قُدّر لك أن تسلكه.
إن الحياة في أعمق معانيها هي هذا التناغم بين الأخذ والترك ، الوصول والغياب ، أن تعيش يعني أن تتقبل أن تكون السفينة والموج ، الميناء والريح في آنٍ واحد.