محمد جمال فتحي يكتب | الاقتصاد والتوترات الجيوسياسية

0

الصراعات الإقليمية وسلاسل الإمداد العالمية
مضيق هرمز وتصاعد تكاليف الشحن في ظل التوترات الجيوسياسية

مقدمة: حين تتشابك السياسة والاقتصاد
في عالمٍ تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع مسارات التجارة الدولية، باتت الصراعات الإقليمية تُلقي‌‌
بظلالها الثقيلة على سلاسل الإمداد العالمية بصورةٍ لم يسبق لها مثيل. فمع تصاعد التوترات في منطقة‌‌
الشرق الأوسط، ولا سيما في المياه المحيطة بمضيق هرمز، تجد الشركات العالمية والحكومات نفسها أمام‌‌
معادلة بالغة التعقيد: كيف تُحافظ على استمرارية تدفق البضائع والطاقة في ظل بيئة أمنية متقلبة‌‌
ومتغيرة باستمرار؟
مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي
لا يمكن الحديث عن سلاسل الإمداد في المنطقة دون التوقف عند مضيق هرمز، ذلك الممر المائي‌‌
الاستراتيجي الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان والمحيط الهندي. يعبر من خلاله ما يزيد على خُمس‌‌
النفط الخام المُصدَّر عالمياً يومياً، فضلاً عن كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المُسال، مما يجعله حلقةً لا‌‌
غنى عنها في منظومة الطاقة الدولية.
يبلغ عرض المضيق في أضيق نقاطه نحو أربعةٍ وثلاثين كيلومتراً، غير أن ممرات الملاحة التجارية لا‌‌
تتجاوز بضعة كيلومترات، مما يجعله عرضةً للإغلاق أو الاضطراب في أي لحظة. وقد أدركت القوى‌‌
الإقليمية والدولية هذه الهشاشة منذ أمد بعيد، إذ يظل المضيق ورقةَ ضغطٍ محتملة في أي مواجهة بين‌‌
إيران من جهة، ودول الخليج والقوى الغربية من جهة أخرى.
آثار الصراعات على سلاسل الإمداد
أولاً: اضطراب مسارات الشحن
تُشكّل حوادث استهداف ناقلات النفط وعمليات الاستيلاء عليها في مياه الخليج نموذجاً صارخاً على‌‌
كيفية تحوّل التوترات السياسية إلى خسائر اقتصادية مباشرة. فحين تتعرض ناقلة للهجوم أو تضطر‌‌
للتحويل عن مسارها الأصلي، لا تتوقف الخسائر عند حدود الشحنة المُهدَّدة، بل تمتد لتشمل ارتفاع‌‌
أقساط التأمين، وتأخير وصول البضائع، وزيادة تكاليف الوقود نتيجة إطالة المسافات البديلة.
وقد دفعت عمليات الحوثيين في البحر الأحمر خلال الفترة الأخيرة كثيراً من شركات الشحن الكبرى إلى‌‌
تغيير مساراتها والابتعاد عن قناة السويس، واللجوء إلى الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح. وقد‌‌
أضاف هذا التحويل أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع على مدة الرحلة، مع زيادة ملحوظة في استهلاك الوقود‌‌

وتكاليف التشغيل.

ثانياً: تصاعد تكاليف الشحن
ترتبط تكاليف الشحن البحري ارتباطاً وثيقاً بمستوى المخاطر الأمنية. ففي أوقات التوترات الحادة، قد‌‌
تتضاعف أسعار الشحن عدة مرات في غضون أيام قليلة. فعلى سبيل المثال، شهدت أسعار ناقلات النفط‌‌
ارتفاعاً حاداً تجاوز في بعض الأحيان مئة وخمسين بالمئة في أعقاب الأحداث الأمنية الكبرى في منطقة‌‌
الخليج.
تنعكس هذه الزيادة بصورة مباشرة على أسعار السلع في الأسواق العالمية، إذ تتحمل الشركات المستوردة‌‌
عبء التكاليف الإضافية، ثم تُمرّرها في نهاية المطاف إلى المستهلك النهائي. وتتضاعف حدة هذا الأثر‌‌
في الدول التي تعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الطاقة أو السلع الأساسية، كدول جنوب آسيا وأوروبا.
ثالثاً: قطاع التأمين وارتفاع المخاطر
يُعدّ قطاع التأمين البحري مرآةً حساسة تعكس حجم التوترات الإقليمية. فمع تصنيف مناطق الخليج‌‌
وخليج عُمان ضمن “مناطق الحرب” من قِبل شركات التأمين الكبرى، ترتفع أقساط التأمين بصورة‌‌
دراماتيكية. وقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعاً في هذه الأقساط بنسب تراوحت بين ثلاثة وعشرة‌‌
أضعاف قيمتها في الأوقات الاعتيادية، مما يُثقّل كاهل شركات الملاحة ويُضعف قدرتها التنافسية.
التداعيات الاقتصادية الأشمل
لا تقتصر تداعيات هذه الاضطرابات على قطاع النفط وحده، بل تمتد لتطال سلاسل إمداد السلع‌‌
الاستهلاكية والمواد الخام والمنتجات الصناعية. فالشركات متعددة الجنسيات التي تعتمد على نماذج‌‌
“الإنتاج في الوقت المناسب” تجد نفسها في مواجهة اختناقات حادة حين تتعطل شحناتها أو تتأخر‌‌
لأسابيع.
علاوةً على ذلك، تدفع حالة عدم اليقين هذه كثيراً من الشركات إلى إعادة النظر في خريطة مورديها‌‌
وتنويع مصادر إمدادها، وهو ما يُعرف بـ”إزالة المخاطر” أو “‌‌Friend-shoring‌‌”، أي توجيه سلاسل‌‌
الإمداد نحو دول موثوقة سياسياً وأمنياً. هذا التحول البنيوي يُعيد رسم خريطة التجارة الدولية‌‌
ويُفضي إلى تكاليف إضافية على المدى البعيد.
استراتيجيات التكيّف والمواجهة
في مواجهة هذه التحديات، لجأت الدول والشركات إلى جملة من الاستراتيجيات التكيّفية. فعلى صعيد‌‌
الحكومات، تسعى دول الخليج إلى تطوير خطوط أنابيب برية بديلة تتجاوز مضيق هرمز، كخط أنابيب‌‌

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.