محمد رأفت أبو المعاطي يكتب | الأحوال الشخصية.. بين العام والخاص

0

يشهد ملف قانون الأحوال الشخصية حالة واسعة من الجدل المجتمعي والبرلماني، ليس فقط بسبب حساسية القضية وارتباطها المباشر باستقرار الأسرة المصرية، وإنما أيضًا لأن كثيرًا من الطروحات والمواقف المطروحة داخل النقاشات باتت تنطلق من تجارب شخصية أو مشاعر ذاتية أو مواقف فردية مرّ بها بعض المشاركين، أكثر من انطلاقها من رؤية تشريعية متكاملة تراعي الصالح العام وتحافظ على التوازن المجتمعي.
فعلى مدار السنوات الماضية، تحولت مناقشات قانون الأحوال الشخصية إلى مساحة تتداخل فيها المعاناة الإنسانية مع الرغبات الفردية، وتختلط فيها الحالات الاستثنائية بمحاولات تعميمها على مجتمع كامل. ورغم أن ذلك مفهوم من الناحية الإنسانية، إلا أنه يطرح تساؤلات مهمة حول قدرة البرلمان على إنتاج تشريع متوازن عندما تتصدر الانفعالات والتجارب الفردية المشهد التشريعي.
وقد شهدت بعض الجلسات والحوارات البرلمانية تصريحات لنواب استندوا بشكل واضح إلى تجارب شخصية أو قصص أسرية عاشوها، فهناك من تحدث عن معاناة الآباء بعد الطلاق وصعوبة رؤية الأبناء، مطالبًا بتعديلات تمنح الأب مساحة أكبر في الرؤية والاستضافة، وهو واقع لا يمكن إنكاره أو التقليل من حجم المعاناة المرتبطة به لدى كثير من الآباء. وفي المقابل، ركز آخرون على معاناة النساء من تعنت بعض الأزواج أو بطء إجراءات التقاضي، مطالبين بمزيد من الحماية القانونية وضمانات أكثر للمرأة.
كما برزت خلافات حادة حول ملفات مثل “الاستضافة”، و”سن الحضانة”، و”النفقة”، و”الرؤية”، حيث غلب على بعض الطروحات الطابع العاطفي أكثر من الطابع التشريعي القائم على الدراسات والإحصاءات الاجتماعية المتخصصة، رغم أن هذا هو الأصل الواجب الاعتماد عليه في صياغة القوانين. بل إن بعض النواب أعلنوا صراحة أن مواقفهم نابعة مما شاهدوه داخل أسرهم أو دوائرهم الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم التأثير النفسي والشخصي على هذا الملف تحديدًا.
ورغم أهمية الاستماع إلى التجارب الواقعية باعتبارها جزءًا من فهم الأزمة، فإن الخطورة تكمن في تحويل التجربة الفردية إلى قاعدة تشريعية عامة. فالقوانين لا تُبنى على الحالات الاستثنائية أو ردود الفعل العاطفية، وإنما تُصاغ وفق رؤية شاملة تحقق العدالة والتوازن وتحافظ على استقرار المجتمع والأسرة معًا. ومن هنا يجب أن تتمحور فلسفة التشريع حول الحفاظ على بقاء الأسرة المصرية متماسكة، والحد من النزاعات التي تنعكس آثارها السلبية على الأطفال والمجتمع بأكمله.
إن قانون الأحوال الشخصية ليس ساحة للصراع بين الرجل والمرأة، ولا معركة لتغليب طرف على آخر، بل هو تشريع ينظم أدق تفاصيل الحياة الأسرية، ويؤثر بصورة مباشرة على مستقبل الأبناء واستقرار المجتمع. ولذلك، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق “الانتصار لطرف” إلى منطق “حماية الأسرة” باعتبارها الركيزة الأساسية لاستقرار الدولة والمجتمع.
كما أن المبالغة في الخطاب العاطفي داخل النقاشات البرلمانية قد تؤدي إلى إنتاج قانون غير متوازن أو منحاز، وهو ما قد يخلق أزمات اجتماعية جديدة بدلًا من معالجة الأزمات القائمة. ومن هنا تبرز أهمية الاعتماد على الدراسات العلمية، والحوار المجتمعي الحقيقي، والاستماع إلى آراء المتخصصين في علم النفس والاجتماع والشريعة والقانون، حتى نصل إلى قانون جامع يحقق العدالة، ويصون الحقوق، ويضمن الواجبات دون إفراط أو تفريط.
وفي النهاية، تبقى قيمة البرلمان الحقيقية في قدرته على تجاوز الانفعالات الفردية نحو تشريع يعبر عن المجتمع كله، لا عن تجارب بعض أفراده فقط. فالتشريعات الناجحة لا تُكتب بالعاطفة وحدها، وإنما تُصاغ بالعقل، والعدالة، ورؤية المستقبل. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.