متى تقودك “الدورات الرمضانية” والعمل التطوعي للمساءلة القانونية؟
مع حلول شهر رمضان المبارك، تشتعل الشوارع والساحات المصرية بطاقة شبابية هائلة؛ تتجسد في تنظيم الدورات الرمضانية لكرة القدم، وتجهيز موائد الرحمن، وحملات توزيع الوجبات. هذه الروح التطوعية هي بلا شك العصب الحقيقي لتكافل المجتمع، ولكن تحت مظلة “النوايا الحسنة” وحماس الشباب، يختبئ فخ قانوني خطير نادراً ما يُسلط عليه الضوء: ماذا لو وقعت كارثة؟
تخيل معي مشهداً يتكرر سنوياً: دورة رمضانية نُظمت بجهود ذاتية للشباب في إحدى الساحات، ووسط حماس اللعب، يتعرض أحد اللاعبين لإصابة خطيرة، أو لابتلاع لسانه، أو أزمة قلبية مفاجئة، في ظل غياب تام لأي مسعف أو سيارة إسعاف. أو مشهد آخر لمائدة رحمن نُظمت دون مراعاة لاشتراطات السلامة الغذائية، مما أدى إلى حالات تسمم جماعي. هنا، تتبخر العاطفة ويحضر “القانون” بصرامته.
في العرف القانوني، “حسن النية” لا يعفي من المساءلة في حالات الخطأ أو الإهمال الجسيم. المنظمون لهذه الفعاليات – حتى وإن كانوا متطوعين لا يبتغون ربحاً – يقعون تحت طائلة المسؤولية التقصيرية، وقد تصل إلى المساءلة الجنائية بتهمتي “الإصابة الخطأ” أو “القتل الخطأ” نتيجة الإهمال والرعونة وعدم الاحتراز. غياب التصاريح الرسمية، وتجاهل توفير التغطية الطبية في الفعاليات الرياضية، أو عدم التأكد من سلامة الغذاء، يحول المتطوع من فاعل خير إلى متهم في نظر القانون.
الأزمة هنا تكمن في الفجوة التشريعية والوعي المجتمعي. نحن أمام شباب مدفوعين بالرغبة في خدمة مجتمعهم، لكنهم يعملون في بيئة تفتقر إلى “الغطاء القانوني” الذي ينظم هذه الفعاليات العشوائية ويحميهم في الوقت ذاته. لا يعقل أن نكبل طاقة الشباب التطوعية، ولكن في المقابل لا يمكن ترك أرواح وسلامة المواطنين لصدفة النوايا الطيبة.
نحن بحاجة ماسة إلى صياغة “بروتوكول قانوني وتوعوي” ملزم ومُبسط للمبادرات الرمضانية، يشترط وجود مسعف معتمد في أي دورة رياضية، ويقنن إجراءات السلامة في موائد الرحمن تحت إشراف الجهات المختصة، مع استحداث غطاء تأميني يحمي المتطوعين من التبعات القانونية غير العمدية.
العمل المجتمعي الاحترافي لم يعد مجرد حماس وجمع تبرعات، بل هو “إدارة مخاطر” ووعي قانوني يحمي المتطوع والمستفيد على حد سواء. فلا تتركوا النوايا الحسنة تُعبد الطريق إلى أروقة المحاكم.