محمود الكومى يكتب | السيطرة الرقمية والعقل البشري

0

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تكنولوجيا جديدة نستخدمها في البحث أو الترجمة أو كتابة بعض النصوص لكنه أصبح جزءا موجودا في تفاصيل حياتنا اليومية يراقب ما نفعله ويحلل سلوكنا ويتوقع اهتماماتنا وربما يعرف عنا أشياء كثيرة قبل أن ننتبه لها نحن أنفسنا
كل إعجاب نضغط عليه وكل فيديو نشاهده وكل كلمة نبحث عنها تتحول إلى بيانات وهذه البيانات لا تقف عند حدود التخزين فقط لكنها تدخل في أنظمة قادرة على فهم شخصيتنا واهتماماتنا وميولنا وحتى حالتنا النفسية ومن هنا تبدأ الفكرة الأخطر وهي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد فقط يفهم الإنسان لكنه أصبح قادرا على التأثير في قراراته وتوجيه أفكاره بشكل غير مباشر
المستخدم العادي يظن أنه يختار ما يشاهده بحرية كاملة لكنه في الحقيقة يتحرك داخل مساحة تصنعها الخوارزميات له فهي التي تقترح الأخبار والفيديوهات والإعلانات والآراء التي تظهر أمامه ومع الوقت يجد نفسه محاطا بنفس النوع من الأفكار والمحتوى فيصدق أن هذا هو الواقع كله بينما هو في الحقيقة يرى جزءا صغيرا تم اختياره له بعناية
الخطورة هنا لا تتعلق بالترفيه فقط لكنها تمتد إلى تشكيل الرأي العام والتأثير في طريقة تفكير الناس وفي نظرتهم للأحداث والأشخاص والمؤسسات وحتى الدول ولذلك أصبحت البيانات قوة حقيقية في العصر الحديث فمن يملك البيانات ويفهم كيف يستخدمها يستطيع أن يؤثر في العقول دون أن يدخل في مواجهة مباشرة
لكن في نفس الوقت لا يجب أن ننظر إلى الذكاء الاصطناعي كعدو للإنسان فهو أداة قوية جدا يمكن أن تساعد في تطوير التعليم وتحسين الخدمات الصحية ودعم الاقتصاد وتسريع البحث العلمي وحل مشكلات كثيرة كانت تحتاج إلى سنوات طويلة المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها ولكن في غياب الوعي بكيفية استخدامها وترك الإنسان نفسه أمام أنظمة ذكية تعرف كيف تجذب انتباهه وتؤثر في اختياراته
لذلك أصبح الوعي الرقمي ضرورة حقيقية وليس رفاهية يجب أن نسأل أنفسنا دائما لماذا يظهر لي هذا المحتوى ومن المستفيد من توجيهي نحو هذه الفكرة وهل هذا القرار نابع من تفكيري أنا أم نتيجة تكرار وتأثير مستمر من الخوارزميات
في النهاية معركة المستقبل لن تكون فقط في الاقتصاد أو السياسة أو التكنولوجيا لكنها ستكون أيضا معركة على الوعي والعقل ومن لا يتعلم كيف يحمي عقله في العصر الرقمي قد يجد نفسه يوما ما يفكر بالطريقة التي أرادتها له الخوارزميات وليس بالطريقة التي اختارها هو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.